ومسألتني لابني وجواب ابني إياي، فلم يحتج أن يسألني عن كلامي.
فقال لي: أمجنون أنت؟ قلت: لا، قال: فموسوس أنت؟ قلت: لا، قال: فمعتوه أنت؟ قلت: لا، والحمد لله وإني لصحيح العقل جيد الفهم ثابت المعرفة، قال: فمظلوم أنت؟ قلت: لا، فقال لأصحابه: مروا بهما سحبًا إلى منزلي.
قال عبد العزيز: فحملنا على أيدي الرجال حتى أخرجنا من المسجد الجامع، ثم جعل الرجال يتعادون بنا سحبًا شديدًا وأيدينا في أيديهم يمنة ويسرة، وسائر أصحابه قدامنا وخلفنا، حتى صرنا إلى منزل عمرو بن مسعدة من الجانب الغربي على تلك الحالة الغليظة، فأوقفنا على بابه، حتى دخل، فأمر بنا فأدخلنا عليه وهو جالس في صحن داره على كرسي من حديد، فلما صرنا بين يديه أقبل علي فقال: من أين أنت؟ قلت: من أهل مكة، قال: ما حملك على ما صنعت بنفسك؟ قلت: طلبت القربة إلى الله ﷿ ورجاء الزلفة لديه، قال: فهلا فعلت ذلك سرًا من غير نداء ولا إظهار المخالفة لأمير المؤمنين؟ ولكن أردت الشهرة والرياء والسوء ولتأخذ أموال الناس. فقلت: ما أردت إلا الوصول إلى أمير المؤمنين والمناظرة بين يديه لا غير ذلك؟ قال: أو تفعل ذلك؟ قلت: نعم، ولذلك قصدتُ وبلغت بنفسي ما ترى، وتغريري بنفسي، وسلوك البراري أنا وولدي رجاء تأدية حق الله فيما استودعني من العلم والفهم في كتابه، وما أخذه علي وعلى العلماء من البيان.
فقال: إن كنتَ إنما جعلت هذا سببًا لغيره إذا وصلت إلى أمير المؤمنين، فقد حلّ دمك لمخالفتك أمير المؤمنين، فقلت له: إن تكلمت في شيء غير هذا وجعلت هذا ذريعة إلى غيره فدمي حلال لأمير المؤمنين. فوثب عمرو قائمًا على رجليه، وقال: أخرجوه بين يدي (١)، فأخرجت بين يديه، وركب من الجانب الغربي وأنا وابني بين يديه يعدى بنا على وجوهنا وأيدينا في أيدي الرجال، حتى صاروا إلى دار أمير المؤمنين من الجانب الشرقي، فدخل ونحن في الدهليز قيامًا على أرجلنا فأطال عند أمير المؤمنين، ثم خرج وقعد في حجرة له، وأمر بي فأدخلت عليه، فقال: أخبرتُ أمير المؤمنين بخبرك، وما فعلت، وما سألت من
(١) في مطبوع «الحيدة»: «بين يدي إلى أمير المؤمنين».