للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

الجمع بينك وبين مخالفيك للمناظرة بين يديه، وقد أمر - أطال الله بقاءه، وأعلى أمره - بإجابتك إلى ما سألت، وجمع المناظرين على هذه المقالة إلى مجلسه أعلاه الله في يوم الاثنين الأدنى (١). ويحضر معهم ليناظروا بين يديه ويكون هو الحاكم بينكم.

قال عبد العزيز: فأكثرتُ حمد الله وشكره على ذلك، وأظهرت الدعاء والشكر لأمير المؤمنين، فقال (٢) عمرو: أعطنا كفيلًا بنفسك حتى تحضر معهم يوم الاثنين، وليس بنا حاجة إلى حبسك. فقلت له: أدام الله عزك أنا رجل غريب ولست أعرف في هذا البلد أحدًا، ولا يعرفني من أهلها أحد، فمن أين لي من يكفلني؟ خاصة مع إظهاري مقالتي، لو كان الخلق يعرفونني حق معرفتي لتبرؤوا مني، وهربوا من قربي وأنكروني، قال: فنوكل بك من يكون معك حتى يحضرك في ذلك اليوم وتنصرف فتصلح من شأنك، وتتفكر في أمرك، لعلك أن ترجع عن غيك، وتتوب من فعلك، فيصفح أمير المؤمنين عنك.

فقلت: ذلك إليك - أعزك الله - فافعل ما رأيت فوكل من يكون معي في منزلي وانصرف، قال عبد العزيز: فلما صليت الغداة في يوم الاثنين في المسجد الذي على باب بيتي، إذا خليفة عمرو بن مسعدة قد جاءني، ومعه جمع كثير من الفرسان والرجال فحملني مكرمًا على دابة حتى صار بي إلى دار أمير المؤمنين، فأوقفني هناك حتى جاء عمرو بن مسعدة، فجلس في حجرته التي كان يجلس فيها، ثم أذن لي بالدخول، فدخلت، فلما صرت بين يديه أجلسني، ثم قال: أنت مقيم على ما كنت عليه أم رجعت عنه؟ قلتُ: بل مقيم على ما كنت عليه، وقد ازددت - بتوفيق الله - بصيرة ورُشْدًا. فقال عمرو: يا أيها الرجل قد حملت نفسك على أمر عظيم، وبلغت الغاية في مكروهها، وتعرضت لما لا قوام لك به من مخالفة أمير المؤمنين، وادعيت ما لا يثبت لك به حجة على مخالفيك، وليس إلا السيف بعد ظهور الحجة عليك، فانظر لنفسك، وبادر أمرك قبل أن تقع المناظرة، وتظهر عليك الحجة فلا ينفعك الندامة ولا يقبل لك معذرة، ولا يُقالُ لك عثرة، فقد رحمتُكَ وأشفقتُ عليك مما هو بك نازل، وأنا أستقيل لك أمير المؤمنين وأسأله الصفح عن رجمك وعظيم ما كان منك إن أظهرت الرجوع


(١) في مطبوع «الحيدة»: «الآتي».
(٢) في مطبوع «الحيدة»: «فقال لي».

<<  <  ج: ص:  >  >>