للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

عنه، والندم على ما كان منك، وآخذ لك الأمان منه - أيده الله - والجائزة، وإن كان بك مظلمة؛ أزلتها عنك، وإن كان لك حاجة؛ قضيتها لك، فإنما جلست رحمة لك مما هو نازل بك بعد ساعة إن أقمت على ما أنت عليه، ورجوت أن يخلصك الله على يدي من عظيم ما أوقعت نفسك به.

فقلت: ما ندمت - أعزك الله - على ما كان مني، ولا رجعت عنه، ولا خرجت من بلدي، وغررت بنفسي إلا في طلب هذا اليوم، وهذا المجلس؛ رجاء أن يبلغني الله ما أؤمله من إقامة الحق، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وهو حسبي، ونعم الوكيل. قال عبد العزيز رحمه الله تعالى: فقام عمرو بن مسعدة على رجليه، وقال: قد حرصت على خلاصك جهدي وأنت حريص على سفك دمك، وقتل نفسك، فقلت: معونة الله أعظم وألطف من أن ينساني الله، أو يكلني إلى نفسي، وعدل أمير المؤمنين أوسع من أن يقصر عني، وإنما أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

قال عبد العزيز رحمه الله تعالى: فقام عمرو بن مسعدة فدخل بي، فأخرجت إلى الدهليز الأول، ومعي جماعة موكلون بي، وكان قد أمر بني هاشم أن يركبوا ووجه إلى القضاة والفقهاء الموافقين لهم على مذهبهم وسائر المتكلمين والمناظرين أن يحضروا، والقواد والأولياء، فركب القوم بالسلاح؛ ليرهبوني بذلك، ويرهبوا الرعية، وأمر الناس جميعا أن لا ينصرفوا حتى نفرغ من المجلس، فلما اجتمع الناس وتتاموا (١)، ولم يتخلف منهم أحد ممن يعرفونه بالكلام والجدل، أذن لي بالدخول، فلم أزل أنقل من دهليز إلى دهليز، حتى صرت إلى الحاجب صاحب الستر الذي على باب الصحن، فلما رآني أمر بي فأدخلت إلى حجرته، ودخل معي.

فقال: إن كنت تحتاج إلى تجديد الوضوء، قلت: مالي إلى ذلك حاجة. قال: اركع ركعتين، فركعت أربع ركعات، ودعوت الله ﷿، ثم قال لي: استخر الله وقم فادخل، وخرج معي إلى باب الصحن وشال الستر، وأخذ الرجال بيدي وعضدي وجعل أقوام أيديهم في ظهري وعلى رقبتي وجعلوا يتعادون بي،


(١) في مطبوع «الحيدة»: «وتأهبوا».

<<  <  ج: ص:  >  >>