ونظر إلي المأمون، وأنا أسمع صوتًا: خلوا عنه، وكثر الضجيج من الحجاب والقواد بمثل ذلك، فخلوا عني، وقد كاد يتغير عقلي من شدة الجزع وعظيم ما رأيت في ذلك الصحن من السلاح، وهم ملء الصحن، وكنت قليل الخبرة بدار أمير المؤمنين، ما رأيتُها قبل ذلك ولا دخلتها، فلما صرت على باب الإيوان، وقفت فسمعت المأمون يقول: أدخلوه، قربوه، فلما دخلت من باب الإيوان وقعت عيني عليه، وقبل ذلك لم أنتبه لما كان على باب الإيوان من الحجاب والقواد، فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ثم قال: أُدنُ مني، فدنوت منه، ثم جعل يقول: أُدْنُ مني، فدنوت منه، ثم جعل يقول: أُدنُ وأدنو، ويكرر ذلك، وأنا أدنو خطوة خطوة، حتى صرت إلى الموضع الذي يجلس فيه المتناظرون ويسمع كلامهم، والحاجب معي يقدّمني، فلما انتهيتُ إلى الموضع، قال لي المأمون: اجلس فجلست.
قال عبد العزيز: وسمعت رجلًا من جلسائه يقول: وقد دخلت الإيوان يا أمير المؤمنين يكفيك من كلام هذا قبح وجهه، فوالله ما رأيتُ خلقًا لله أقبح وجهًا منه، فسمعت قوله هذا وفهمته، وما رأيت شخصًا على ما كنتُ فيه من الجزع والرعدة.
قال عبد العزيز: وتبين لأمير المؤمنين ما أنا فيه من الجزع، وما قد نزل بي من الخوف، فجعل ينظر إليَّ وأنا ارتعد خوفًا، وانتفض، وأحبّ أن يؤنسني، ويسكن روعتي، فجعل يكثر كلام جلسائه، ويكلم عمرو بن مسعدة، ويتكلم بأشياء كثيرة مما لا يحتاج إليها، يريد بذلك كله إيناسي، وجعل يطيل النظر إلى الإيوان، ويدير نظره فيه، فوقعت عيناه على موضع من نقش الجص قد انتفخ، فقال: يا عمرو ما ترى هذا انتفخ من هذا النقش في هذا الجص، وسيقع، فبادر في قلعه وعمله، فقال عمرو: قطع الله يد صانعه، فإنه قد استحق العقوبة على عمله هذا.
قال عبد العزيز: ثم أقبل عليَّ المأمون، فقال: ما الاسم؟ فقلت: عبد العزيز قال: ابن من؟ قلت: ابن يحيى بن مسلم، قال: ابن من؟ قلت: ابن ميمون الكناني، قال: أو أنت من كِنانة؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فتركني