هنيهة لا يكلمني (١)، [ثم أقبل عليّ](١) فقال: من أين الرجل؟ قلت: من الحجاز. قال: ومن أي الحجاز؟ قلت: من مكة، قال: ومن تعرف من أهل مكة؟ قلت: يا أمير المؤمنين قلَّ مَنْ بها من أهلها إلا وأنا أعرف إلا رجلًا ضَوَى إليها، أو من جاور بها، فإني لا أعرفه، قال: تعرف فلانًا وفلانًا. حتى عدد جماعة من بني هاشم كلهم أعرفهم حقَّ المعرفة، فجعلت أقول: نعم. وسألني عن أولادهم وأنسابهم، فأخبرته من غير حاجة إلى شيء من ذلك، ولا تقدم من مسألتي، وإنما يريد إيناسي وبسطي للكلام وتسكين روعي (٢) وجزعي، فذهب عني ما كنت فيه، وما لحقني من الجزع، وجاءت المعونة من الله ﷿، قَوَّى (٣) بها ظهري، واشتد بها قلبي، واجتمع بها فهمي.
قال عبد العزيز رحمه الله تعالى: فأقبل عليَّ المأمون، وقال: يا عبد العزيز إنه قد اتصل بي ما كان منك وقيامك في المسجد الجامع، وقولك: إن القرآن كلام الله … إلخ بحضرة الخلق وعلى رؤوس الخلائق، وما كان من مسألتك بذلك من الجمع بينك وبين مخالفيك على القول؛ لتناظرهم في حضرتي، وفي مجلسي، والاستماع منك ومنهم، وقد جمعت المخالفين لك؛ لتناظرهم بين يدي وأكون الحاكم بينكم، فإن تبين لك الحجة عليهم، والحق معك اتبعناك، وإن تكن الحجة لهم عليك، والحق معهم عافيناك (٤)، وإن استَقَلْتَ أَقَلْنَاكَ، ثم أقبل المأمون على بشر المريسي، وقال: يا بشر! قُم إلى عبد العزيز فناظره وأنصفه، قال: فوثب بشر المريسي من موضعه الذي كان فيه كالأسد يثب إلى فريسة فرحًا، فانحط عليَّ، فوضع ركبته وفخذه الأيسر على فخذي الأيمن فكاد أن يحطمه، وعمد إليَّ بقوته كلها، فقلت: مهلًا فإن أمير المؤمنين لم يأمرك بقتلي ولا بظلمي، وإنما أمرك بمناظرتي وإنصافي، فصاح به المأمون، وقال: تنحَّ عنه، وكرر ذلك عليه حتى باعده مني، قال: ثم أقبل عليَّ المأمون، وقال: يا عبد العزيز ناظره على ما تريد، واحتج عليه، ويحتج عليك، وتسأله ويسألك، وتناصفا في كلامكما، وتحفظا ألفاظكما، فإني مستمع عليكما فنحفظ ألفاظكما.
(١) من مطبوع «الحيدة»، وسقط من الأصل. (٢) في مطبوع «الحيدة»: «وتسكين روعتي». (٣) في مطبوع «الحيدة»: «فقوى». (٤) قال المؤلف لعل الصواب عاقبناك (منه) وكذا هو في المطبوع.