فَقَالَ عبد الْعَزِيز: فَقلت: السّمع وَالطَّاعَة لأَمِير الْمُؤمنِينَ، وَلَكِن أُرِيد أَنْ أَقُول شَيْئا فَيَأْذَن لي أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهِ، قَالَ: قل كَمَا تُرِيد، قلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أسألك بِاللَّه من أجمل من بلغك من الْبشر، وأحسنهم وَجها من جَمِيع ولد آدم؟ قَالَ: يُوسُف بعد أَنْ أطرق مليًا، قلت: صَدَقت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، فَوَاللَّهِ مَا أعْطى يُوسُف على حسن وَجهه جرادتين (١)، وَلَقَدْ سجن وضيق عَلَيْهِ من أجل حسن وَجهه ظلمًا بِغَيْر حق، بعد أَنْ وقف على براءته (٢) وَإِقْرَار امْرَأَة الْعَزِيز أَنَّهَا هِيَ راودته عَنْ نَفسه؛ فاستعصم، فَحبس بعد ذَلِك كُله لحسن وَجهه، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ﴾ [يُوسُف: ٣٥]، فَدلَّ بِقَوْلِهِ على أَنه حبس بِغَيْر ذَنْب، لَكِن الْعلَّة حسن وَجهه، وليغيبوه عَنْهَا وَعَنْ غَيرهَا، رَجَاء تغير حلية وَجهه؛ وَليذهب بحسنه، فَطَالَ فِي السّجن مكثه حَتَّى عبر الرُّؤْيَا وَوقف الْملك على علمه وَمَعْرِفَته وَحسن عبارته، فاشتاق إِلَيْهِ، وَرغب فِي صحبته فَقَالَ: ﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ [يُوسُف: ٥٤]. وَكَانَ هَذَا القَوْل من المَلِك بعد تعبير يُوسُف الرُّؤْيَا ووقوف الْملك على حسن عبارته، وَكَمَا أخبر الله ﷿ فِي كِتَابه قبل أَنْ يسمع كَلَامه، فَلَمَّا دخل عَلَيْهِ وَسمع كَلَامه، صيره على خَزَائِن الأَرْض وفوضه إِلَيْهِ الْأُمُور كلهَا، واعتزل مِنْهَا وَصَار كَأَنَّهُ من تَحت يَده، فَكَانَ مَا بلغه يُوسُف كُله من كَلَامه وَعلمه لَا بجماله وَحسن وَجهه قَالَ الله ﷿ ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يُوسُف: ٥٤، ٥٥]، وَلم يقل: إِنِّي حسن جميل، فَوَاللَّهِ مَا أبالي يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَو كَانَ وَجْهي أقبح مِمَّا هُوَ عَلَيْهِ، فقد أعطَانِي الله وَله الْحَمد من فهم كِتَابه وَالْعِلم بتنزيله، فَقَالَ الْمَأْمُون: وَأَي شيء أردْت بِهَذَا القَوْل، وَمَا الَّذِي دَعَاك إِلَيْهِ؟.
فَقلت: إِنِّي سمعتُ بعضَ مَنْ هُنَا يَقُول: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ يكفيك من كَلَام هَذَا قبح وَجهه، فَأَي عيب يلحقني فِي صنعة رَبِّي ﷿؟ فتبسم الْمَأْمُون حَتَّى وضع يَده على فَمه، فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ قد رَأَيْتُك تنظر هَذَا النَّقْش فِي الْحَائِط وتنكر انتفاخ الْجص، وَسمعت عمرًا يعيب الصَّانِع، وَلَا يعيب الْجص، فَقَالَ الْمَأْمُون: الْعَيْب لَا على الشَّيْء المصنوع، إِنَّمَا الْعَيْب على صانعه، فَقلت:
(١) فِي مطبوع «الحيدة»: «بعرتين».(٢) بعدهَا فِي مطبوع «الحيدة»: «بالشاهد الَّذِي أنطقهُ الله ﷿ بتصديقه وَبَيَان قَوْله».
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://ftp.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.