للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

صَدَقْتَ يَا أميرَ المؤمنينَ، وقلتَ الحَقَّ، فهذا يعيبُ ربي لم خَلَقَني قبيحًا، فازدادَ تبسُّمًا حتى ظَهَرَ ذلكَ، فقال: يا عبدَ العزيزِ ناظرْ صاحبَكَ، فقد طالَ المجلسُ بغيرِ مناظرةٍ، قلت: يا أميرَ المؤمنينَ كلُّ مناظرينَ على غيرِ أصلٍ يكونُ بينهما ما يرجعانِ إليه إذا اختلفا في شيءٍ من الفروعِ فهما كالسائرِ على غيرِ طريقٍ، وهو لا يعرفُ المحجةَ فيتبعها، ولا يعرفُ الموضعَ الذي يريدُ فيقصده، وهو لا يدري من أين جاء فيرجع فيطلب الطريق، وهو على ضلال ولكنا نُؤَصِّلُ (١) بيننا أصلًا، فإذا اختلفنا في شيءٍ من الفروعِ رَدَدْناهُ إلى الأصل، فإن وجدناهُ فيه، وإلا رمينا به ولم نلتفتْ إليهِ.

قال المأمون: نِعْمَ ما قلتَ، فاذكرِ الأصلَ الذي تريدُ أن يكونَ بينكما، قلت: يا أميرَ المؤمنينَ الأصلُ بيني وبينه ما أمرنا اللهُ ﷿، واختارهُ لنا، وأعلمناهُ وأدبنا به في التنازع والاختلافِ ولم يكلنا إلى غيره، ولا إلى أنفسنا واختيارنا؛ فنعجز قال المأمون: وهل ذلك موجود عن الله ﷿؟ قلت: نعم! يا أمير المؤمنين، قال: فاذكر ذلك.

قلت: قال اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، فهذا تعليم من الله وتأديبهُ واختيارهُ لعباده المؤمنين ما أصله المتنازعون بينهم، وقد تنازعتُ أنا وبِشْرٌ يا أميرَ المؤمنين وبيننا كتابُ اللهِ وسنةُ نبيهِ محمد كما أمر الله ﷿، فإذا اختلفنا في شيءٍ من (٢) الفروع، رددناه إلى كتابِ اللهِ ﷿ فإن وجدناه فيه، وإلا إلى سنةِ نبيهِ فإن وجدناه فيها، وإلا ضربناه في الحائط ولم نلتفت إليه، قال المأمون: فافعلا وأصلا بينكما هذا، واتفقا عليه وأنا الشاهد عليكما، والحافظ لما يجري بينكما. قال عبد العزيز: قلت: يا أميرَ المؤمنين إنه من أَلْحَدَ في كتابِ اللهِ زائدًا أو جاحدًا لم يناظر بالتأويل ولا بالتفسير، قال المأمون: بأي شيءٍ تناظر؟ قلت: بنص القرآن بالتلاوة، قال اللهُ ﷿ لنبيه حين ادعت اليهود تحريم أشياء لم تحرم عليهم: ﴿فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]،


(١) كذا في مطبوع «الحيدة» بنون في أوله وهو الصواب، والسياق الآتي يؤكده، وفي المطبوع: «تؤصل» بثاء مثناة فوقية!
(٢) من مطبوع «الحيدة»، وسقط من الأصل.

<<  <  ج: ص:  >  >>