للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

وقال الله ﷿ لنبيه : ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ [الرعد: ٣٠]، وقال ﷿: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١]، وقال: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾ [النمل: ٩٢]، فإنما أمر الله نبيه بالتلاوة، ولم يأمره بالتأويل وإنما يكون التأويل لمن آمن بالتنزيل، فأما من أَلْحَد بالتنزيل فيكف يناظر بالتأويل؟ فقال المأمون: ويخالفك بالتنزيل؟ قلت: نعم. ليخالفني أو ليدعن قوله ومذهبه وليوافقني، قال: فناظره بالتلاوة ونص التنزيل، قلت: نعم.

قال عبد العزيز: فأقبلت على بشر، فقلت: يا بشر ما حجَّتُك أن القرآن مخلوق؟ فانظر إلى (١) أحد سهم من كنانتك فارمني به، ولا تحتج إلى معاودتي لغره (٢)؟ قال بشر: تقول يا عبد العزيز القرآن شيء أم غير شيء؟ فإن قلت: شيء فقد أقررت أنه مخلوق، إذ كانت الأشياء كلها مخلوقة بنص التنزيل، وإن قلت: إنه ليس بشيء. فقد كفرت، لأنك تزعم أن حُجَّةَ الله على خلقه ليس بشيء.

قال عبد العزيز: فقلت لبشر: ما رأيت أعجب من هذا، أتسألني وتجيب نفسك، فإن تسألني لأجيبك فاسمع الجواب مني؛ فإني أحسن أن أجيبك، وأعبر عن نفسي، وإنْ تُرِدْ أن تخطب (٣) وتتكلم، لتدهشني وتنسيني حجتي؛ فلن أزداد بتوفيق الله إياي إلا بصيرة وفهمًا، وما أحسبك يا بشر إلا وقد تعلمت شيئًا أو سمعت هذه المقالة والتي قبلها أو قرأتها في كتاب فأنت تكره أن تقطعها حتى تأتي على آخرها، فأقبل عليه المأمون، وقال: صدق عبد العزيز اسمع منه جواب ما سألته، ثم رُدَّ عليه بعد ذلك ما شئت، ثم قال لي: تكلم فأجبه يا عبد العزيز لما سألك.

فقلت لبشر: سألت عن القرآن: هو شيء أم غير شيء؟ فإن كنت تريد أنه شيء إثباتًا للوجود ونفيًا للعدم؛ فنعم هو شيء، وإن كنت تريد أن الشيء اسم له وأنه كالأشياء فلا، فقال بشر: ما أدري ما تقول ولا أفهمه ولا أعقله ولا أسمعه، ولا بد من جواب يعقل ويفهم أنه شيء أم غير شيء.


(١) من مطبوع «الحيدة»، وسقط من الأصل.
(٢) في مطبوع «الحيدة»: «بغيره».
(٣) في مطبوع «الحيدة»: «وإن كنت إنما تريد أن تخطئني».

<<  <  ج: ص:  >  >>