قال: فقلت لبشر: صدقت إنك لا تفهم ولا تعقل ولا تسمع ما أقول، ولقد وصفت نفسك بأقبح الصفات، واخترت لها أذم الاختيارات، ولقد ذم الله قومًا في كتابه وعلى لسان نبيه ﷿ قالوا مثل مقالتك، وكانوا بمثل ما وصفت به نفسك، قال الله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢) وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢، ٢٣] وقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الزخرف: ٤٠] وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٦ - ١٨]، ومثل هذا في القرآن كثير، ولقد مدح الله قومًا في كتابه بحسن الاستماع وأثنى عليهم فقال: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ الآية [الزمر: ١٨]، وقال: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣] الآية، وقال: ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] فما اخترت لنفسك ما اختاره الرسول، ولا ما اختاره المؤمنون، ولا ما اختاره أهل الكتاب، قال المأمون: دع عنك هذا يا عبد العزيز، وارجع إلى ما كنت فيه، وبين ما قلته واشرحه من ذكر (الشيء).
فقلت: يا أمير المؤمنين إن الله أجرى كلامه على ما أجراه على نفسه، إذ كان كلامه من ذاته ومن صفاته فلم يتسم بالشيء، ولم يجعل الشيء اسمًا من أسمائه، ولكنه دل على نفسه أنه شيء، وأنه أكبر الأشياء إثباتًا للوجود، ونفيًا للعدم، وتكذيبًا للزنادقة، ومن تقدمهم ممن جحد معرفته وأنكر ربوبيته من سائر الأمم، فقال لنبيه ﷺ: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٩] فدل على نفسه أنه شيء لا كالأشياء، وأنزل في ذلك خبرًا خاصًا مفردًا؛ لعلمه السابق أن جهمًا وبشرًا ومن قال بقولهما سيلحدون في أسمائه وصفاته، ويشبهون علي خلقه، ويدخلونه وكلامه في الأشياء المخلوقة، فقال ﷿: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] فأخرج نفسه وكلامه وصفاته من الأشياء المخلوقة بهذا الخبر؛ تكذيبًا لمن ألحد في كتابه، وافترى عليه وشبهه بخلقه، وقال: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠] ثم عدد أسماءه في كتابه، ولم يتسم بالشيء، ولم يجعل الشيء اسمًا من أسمائه، قال النبي ﷺ: «إن الله تسعة