أنه ليس كالأشياء، وإلا فقد بطل ما ادعاه؛ وصح قولي أنه مخلوق إذ كنا جميعًا قد اجتمعنا على أنه شيء وقال الله ﷿: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] بنص التنزيل.
فقال المأمون: هذا يلزمك يا عبد العزيز لما أخذت على نفسك، وجعل محمد بن الجهم وغيره يضجون، ويقولون: ظهر أمر الله وهم كارهون، ﴿جَاء الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾، وطمعوا في قتلي، وجثا بشر (١) على ركبتيه، وجعل يقول: أقرَّ والله يا أمير المؤمنين بخلق القرآن، وأمسكت فلم أتكلم، حتى قال لي أمير المؤمنين: ما لك لا تتكلم يا عبد العزيز؟.
فقلت: يا أمير المؤمنين قد تكلم بشر، وطالبني بنص التنزيل على ما قلت، وهو المناظر لي فضجيج هؤلاء إيش هو؟ وأنا لم أنقطع ولم أعجز عن الجواب وإقامة الحجة بنص التنزيل على بشر كما طالبني، ولست أتكلم وفي المجلس أحد يتكلم غير بشر إلا أن ينقطع بشر عن الحجة فيعتزل ويتكلم غيره، فصاح المأمون لمحمد بن الجهم وغيره: أمسكوا (٢)، وأقبل علي وقال: تكلم يا عبد العزيز واحتج لنفسك فليس يعارضك غير بشر، قال: قلت: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] وقال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٣٦] وقال سبحانه: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [مريم: ٣٥]، فدل بهذه الأخبار، وأشباه لها في القرآن كثيرة، على أن كلامه ليس كالأشياء وأنه يكون الأشياء (٣)، ثم أنزل الله خبرًا مفردًا ذكر فيه خلق الأشياء كلها فلم يدع منها شيئًا إلا ذكره وأدخله في خلقه وأخرج كلامه وأمره من جملة الخلق وفصله منها، ليدل على أن كلامه غير الأشياء المخلوقة وخارج عنها، فقال: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤]، فجمع في قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ جميع ما خلق، فلم يدع منه شيئًا، ثم قال: ﴿وَالْأَمْرُ﴾؛ يعني: والأمر الذي كان به الخلق خلقًا،
(١) من مطبوع «الحيدة»، وسقط من الأصل. (٢) في مطبوع «الحيدة»: «فأمسكوا». (٣) في مطبوع «الحيدة»: «وأنه إنما تكون الأشياء بقوله وأمره».