للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

ففرق (١) بين خلقه وأمره فجعل الخلق خلقًا، والأمر أمرًا، وجعل هذا غير هذا، وقال: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر: ٥٠] وقال: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾ [الروم: ٤]؛ يعني: من قبل الخلق ومن بعد الخلق، ثم جمع الأشياء المخلوقة في آيات كثيرة في كتابه، فأخبر عن خلقها وأنه خلقها بقوله وكلامه، وأن كلامه وقوله غيرها وخارج عنها، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ﴾ [الأنعام: ١٧٣]، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ﴾ [الحجر: ٨٥]، وقال: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الأحقاف: ١ - ٣]، وقال: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان: ٣٨، ٣٩]، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الروم: ٨].

فقال المأمون: يجزيك هذا أو بعضه يا عبد العزيز. [فقلت: يا أمير المؤمنين، قد أخبرنا الله ﷿ عن خلق السماوات والأرض] (٢) وما بينهما فلم يدع شيئًا من الخلق إلا ذكره، فأخبر عن خلقه أنه ما خلقه إلا بالحق، وأن الحق قوله وكلامه الذي به خُلق الخلق كله، وأنه غير الخلق، وأنه خارج عن الخلق وغير داخل في الخلق، وهذا نص التنزيل على أن كلام الله غير الأشياء المخلوقة وليس هو كالأشياء، وبه تكون الأشياء (٣). قال بشر: يا أمير المؤمنين قد ادعى أن الأشياء لا تكون إلا بقوله، ثم جاء بأشياء متباينات متفرقات، وزعم أن الله يخلق بها الأشياء، فأكذب نفسه ونقض قوله، ورجع عما ادعاه من حيث لا يدري، وأمير المؤمنين شاهد عليه وهو الحاكم بيننا، فأقبل المأمون علي، فقال: يا عبد العزيز قد قال بشر كلامًا قد قلته، ويحتاج أن تصحح قولك ولا ينقض بعضه بعضًا، وجعل بشر يصيح: لو تركته يتكلم؛ لجاء بألف شيء مما خلق الله به الأشياء.

فقلت: يا أمير المؤمنين قد ذهبت بالحجج، ورضي بشر وأصحابه


(١) كذا في مطبوع «الحيدة»، وفي الأصل: «فرقا»!
(٢) سقط من الأصل، وأثبته من مطبوع «الحيدة» والسياق يدل عليه.
(٣) في مطبوع «الحيدة»: «وإنما به تكون الأشياء».

<<  <  ج: ص:  >  >>