للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

بالضجيج، والترويج بالباطل، وقطع المجلس وطلب الخلاص ولا خلاص من الله حتى يظهر دينه، ويقمع الباطل بالحق فيزهقه، فصاح المأمون ببشر (١): أقبل على صاحبك، واسمع منه، ودَعْ هذا الضجيج، وكان المأمون قد قعد منا مقعد الحاكم من الخصوم، ثم أقبل المأمون وقال: تكلم يا عبد العزيز.

فقلت: يا بشر زعمت أني قد جئتُ بأشياء متباينات متفرقات، وادعيت أن الله خلق بها الأشياء، وما قلتُ إلا ما قال الله ﷿، ولا أقول إلا (٢) أن الله خلق الأشياء [بكلامه] (٣) قال بشر: يا أمير المؤمنين قد قال: إن الله خلق الأشياء بقوله وكلامه وأمره وبالحق وهذه أربعة أشياء، قال المأمون: بل قلت (٤) هذا يا عبد العزيز! فقلت: صدق أمير المؤمنين قد قلتُ هذا، وهذه أربعة أشياء لشيء واحد؛ لأن كلام الله هو قوله، وقول الله هو كلامه، وأمر الله هو كلامه، وكلام الله هو أمره، وكلام الله هو الحق، والحق هو كلام الله، فهذه أسماء لكلام الله، وقد قدمت ذكر هذا فقلت: إن الله سمى كلامه: نورًا وهدى وشفاء ورحمة وقرآنًا وفرقانًا وبرهانًا، وسماه الحق، وهذه أشياء شتى لشيء واحد، وهو كلام الله كما سمى نفسه بأسماء كثيرة وهو واحد صمد فرد، وإنما ينكر بشر هذا ويستعظمه لقلة معرفته بلغة العرب.

قال بشر: قد أصل بيني وبينه كتاب الله، وزعم أنه لا يقبل إلا بنص التنزيل فأين نص التنزيل، أن كلام الله هو قوله، وهو أمره، وأن كلامه هو الحق؟ فقال المأمون هذا يلزمك يا عبد العزيز لما عقدت على نفسك من الشرط! فقلت: نعم يا أمير المؤمنين وعلي أن آتي بنص التنزيل على ما قلت، قال: فهاته.

قلت: قال الله ﷿ وقد ذكر كلامه في القرآن ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦]، وإنما يسمعه من قارئه وإنما عنى القرآن، لا خلاف بين أهل العلم واللغة في ذلك وقال: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللهِ قُلْ لَنْ﴾


(١) في مطبوع «الحيدة»: «يا بشر».
(٢) سقطت من الأصل، وأثبتها من مطبوع «الحيدة».
(٣) كذا في مطبوع «الحيدة»، وفي الأصل بدل ما بين المعقوفتين: «بقوله وكلامه وأمره وهذه أربعة أشياء، ولا أنه خلقها إلا بكلامه»! وهذا مكرر سيأتي في غير هذا المحل.
(٤) في مطبوع «الحيدة»: «بلى قد قلت».

<<  <  ج: ص:  >  >>