بل ليس في الصفات الإلهية أظهر من صفة الكلام والعلو والفعل والقدرة، بل حقيقة الإرسال تبليغ كلام الرب ﵎، وإذا انتفت منه حقيقة الكلام، انتفت حقيقة الرسالة والنبوة، والرب ﵎ يخلق بكلامه وقوله، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فإذا انتفت حقيقة الكلام (انتفى) الخلق، وقد عاب الله آلهة المشركين بأنها لا تكلم عابديها (١)، ولا ترجع إليهم قولًا، والجهمية وصفوا الرب ﵎ بصفة هذه الآلهة، وقد ضرب الله تعالى لكلامه واستمراره ودوامه المثل بالبحر، يمده من بعده سبعة أبحر وأشجار الأرض كلها أقلام؛ فيفنى المداد والأقلام ولا تنفد كلماته.
أفهذه صفة من لا يتكلم ولا يقوم به كلام؟ فإذا كان كلامه وتكليمه وخطابه ونداؤه وقوله وأمره ونهيه ووصيته وعهده وإذنه وحكمه وإخباره وشهادته كل ذلك مجاز لا حقيقة له، بطلت الحقائق كلها، فإن الحقائق إنما حقت بكلمات تكوينية، ويحق الحق بكلماته ولو كره المجرمون، فما حقت الحقائق إلا بقوله وفعله، وقال في «النونية»: