للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

من زعم أن كلام الله مخلوق [وأنه من صفاته] (١) فإنّ صفاته داخلة في مسمى اسمه، فليس الله اسمًا لذات: لا سمع ولا بصر ولا حياة ولا كلام لها، فكلامه وحياته وقدرته داخلة في مسمى اسمه، فهو سبحانه بصفاته الخالق، وما سواه المخلوق.

الآية الثانية عشرة:

اسْتَجَارَكَ: طلب جوارك، أي: حمايتك وأمانك، ﴿فَأَجِرْهُ﴾: أي: فأمنه، و مَا مَنَهُ: أي: مسكنه الذي يأمن فيه، وهو دار قومه.

المعنى:

﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾، أي: كن جارًا له، مؤمنًا (٢) له (٢) محاميًا ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ ويتدبره حق تدبره ويقف على حقيقة ما تدعو إليه.

ويستنبط من الآية:

دليل على أنه إذا استأمن مشرك ليسمع القرآن وجب تأمينه، ليعلم دين الله وتنشر الدعوة، وإثبات الألوهية، وأن الكلام إنما ينسب إلى من قاله مبتدأ، لا من قال مبلغًا مؤديًا، وأن الآية حجة صريحة لمذهب السلف أن القرآن منزل غير مخلوق؛ لأن الله تعالى هو المتكلم به، وإنما أضافه إلى نفسه إضافة الصفة إلى موصوفها.

ودليل على بطلان مذهب المعتزلة، ومن أخذ بقولهم الباطل أن القرآن مخلوق، مستدلين على بدعتهم بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢]، فيدخل في عموم ﴿كُلِّ﴾ فيكون مخلوقًا، وهذا من أعجب العجب! فإن أفعال العباد كلها عندهم غير مخلوقة الله تعالى، وإنما يخلقها العباد جميعها فأخرجوها من عموم ﴿كُلِّ شَيْءٍ﴾، وأدخلوا كلام الله في عمومها مع أنه صفة من صفاته، به تكون الأشياء المخلوقة، إذ بأمره تكون المخلوقات، قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] ففرق بين الخلق والأمر، فلو كان الأمر مخلوقًا للزم أن يكون مخلوقًا بأمر آخر، إلى ما لا نهاية.


(١) غير موجود في مطبوع «الكواشف الجلية».
(٢) من مطبوع الكواشف الجلية، وسقطت من الأصل.

<<  <  ج: ص:  >  >>