له، فيلزم التسلسل وهو باطل، وطرد باطلهم أن تكون جميع صفاته تعالى مخلوقة كالعلم والقدرة وغيرها، وذلك صريح الكفر، وكيف يصح أن يكون متكلمًا بكلام يقوم بغيره؟! ولو صح ذلك؛ للزم أن يكون ما أحدثه من الكلام في الجمادات كلامه، وكذلك أيضًا ما خلقه في الحيوان، بل يلزم أن يكون متكلمًا بكل كلام خلقه في غيره زورًا كان أو كذبًا أو كفرًا وهذيانًا، تعالى الله عن ذلك، وقد طرد هذا الاتحادية، فقال ابن عربي:
وكل كلام في الوجود كلامه … سواء علينا نشره ونظامه (١)
ولو صح أن يوصف أحد بصفة قامت بغيره؛ لصح أن يقال للبصير: أعمى، وللأعمى بصير؛ لأن البصير قد قام وصف العمى بغيره، والأعمى قد قام وصف البصير (٢) بغيره، ولصح أن يوصف الله بالصفات التي خلقها في غيره، من الألوان، والروائح، والطعوم، والطول، والقصر، ونحو ذلك.
قال ابن القيم:«احتج المعتزلة على مخلوقية القرآن بقوله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢] ونحو ذلك من الآيات فأجاب الأكثرون: إنه عام مخصوص، يخص محل النزاع كسائر الصفات من العلم ونحوه.
قال ابن عقيل في «الإرشاد»: ووقع لي أن القرآن لا يتناوله هذا الأخبار ولا يصلح لتناوله، قال: لأنه به حصل عقد الإعلام بكونه خالقًا لكل شيء، وما حصل به عقد الإعلام والإخبار لم يكن داخلًا تحت الخبر.
قالوا (٣): ولو أن شخصًا قال: لا أتكلم اليوم كلامًا إلا كان كذبًا، لم يدخل إخباره بذلك تحت ما أخبر به، قلت: ثم تدبرت هذا فوجدته مذكورًا في قوله تعالى في قصة مريم ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ [مريم: ٢٦] وإنما أُمِرَتْ بذلك لئلا تسأل عن ولدها. فقولها: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا﴾ به حصل إخبار بأنها لا تكلم الإنس، ولم يكن ما أخبرت به داخلًا تحت الخبر، وإلا كان قولها مخالفًا لنذرها» (٤). اهـ.
(١) عزاه له ابن تيمية ﵀ في كثير من كتبه. انظر مثلًا: «منهاج السنة» (٢/ ٣٧٢ - ٣٧٣) و (٥/ ٤٢٦)، وفي «درء تعارض العقل والنقل» (٢/ ٢٥٢). (٢) في مطبوع «الكواشف الجلية»: «البصر». (٣) في مطبوع «بدائع الفوائد»: «قال». (٤) انظر: «بدائع الفوائد» (٤/ ٢١٨).