وأما استدلالهم بقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] فما أفسده من استدلال فإن (جعل) إذا كانت بمعنى خلق يتعدى إلى مفعول واحد كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١] وإذا تعدى إلى مفعولين لم يكن بمعنى خلق قال تعالى: ﴿وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾ [النحل: ٩١](١) وكذلك قوله: ﴿جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] وما أفسد استدلالهم بقوله تعالى: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص: ٣٠]، على أن الكلام خلقه الله في الشجرة، فسمعه موسى (٢) وعموا عما قبل هذه الكلمة وما بعدها، فإن الله تعالى قال: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ﴾ [القصص: ٣٠] والنداء هو الكلام من بعد، ما سمع (٣) موسى النداء من حافة الوادي.
ثم قال: ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص: ٣٠] أي: إن النداء كان في البقعة المباركة من عند الشجرة، و (من) لابتداء الغاية، ولو كان الكلام مخلوقًا في الشجرة لكانت الشجرة هي القائلة: ﴿يَامُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القصص: ٣٠]، ولو كان هذا الكلام بدأ من غير الله ﷿ كان قول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] صدقًا، إذ كل من الكلامين عندهم مخلوق قد قاله غير الله، وقد فرقوا بين الكلامين - على أصولهم الفاسدة -: إن ذلك كلام خلقه الله في الشجرة، وهذا كلام خلقه فرعون، فحرفوا وبدلوا واعتقدوا خالقًا غير الله. اهـ «من شرح الطحاوية»(٤).
أما قوله تعالى في عيسى ﵇: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١]، فالمعنى: إنه خلقه بالكلمة التي أرسل بها جبريل إلى مريم، فنفخ فيها الروح، فعيسى ناشئ عن الكلمة وليس هو نفس الكلمة، وقوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾؛ يعني: إنه كائن منه تعالى، أي: هو موجده وخالقه، فهو روح من الأرواح التي خلقها الله.
كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] أي: مخلوق بأمره.
(١) نحوه في «شفاء العليل» (١/ ٣٣٥ - ٣٣٦). (٢) في مطبوع «شرح العقيدة الطحاوية»: «فسمعه موسى منها». (٣) في مطبوع «شرح العقيدة الطحاوية»: «فسمع». (٤) انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» (ص ١٨٦ - ١٨٧) بتصرف.