للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

إنه كلام ملك أو بشر أو غير ذلك، والرد على من قال إنه خلقه في جسم من الأجسام المخلوقة، كما هو قول الجهمية، والرد على من قال: إنه فاض على النبي : كما يقول طوائف من الفلاسفة، وأن السفير بين الله ورسوله محمد هو جبريل .

والرد على من قال: إن كلام الله هو المعنى النفسي، فإن جبريل سمعه من الله، والمعنى المجرد لا يُسمع، والدليل على أن القرآن نزل باللغة العربية وتكلم الله بالقرآن بها، والتوبيخ للمعترضين، والإيمان إلى أن التبديل لم يكن للهوى بل للحكمة التي اقتضت ذلك، وإبطال شبه المعترضين، وإثبات صفة الربوبية، وأن القرآن نزل بالصدق والعدل، وأن القرآن نافع للخلق كل النفع في دينهم ودنياهم، فبه تثبت العقائد وتطمئن القلوب.

وأن فيه الهداية من الزيغ والضلالات، ففيه ما يهذب النفوس، ويكبح جماح الطغيان، ويردّ الظالم عن ظلمه، ويدفع عدوان الناس بعضهم على بعض. وأن فيه بشارة للمسلمين؛ بما سيلقونه من الجنات، التي تجري من تحتها الأنهار.

وأن قدح الجاهل لا عبرة به؛ لأن القدح في الشيء فرع عن العلم به، وقدح هؤلاء عن جهل وعناد، وهذه عادة الغبي إذا سمع شيئًا لم يفهمه ولم يعلمه قدح فيه فإذا عاب إنسان قولًا صحيحًا؛ فذلك لأنه لم يفهمه؛ وإنما أتى من قِبَلَ قريحته، وهذا معنى رائع بديع قال تعالى: ﴿وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ، فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ﴾ [الإحقاف: ١١] وقال المتنبي أخذًا من هذه الآية:

وكم من عائب قولًا صحيحًا … وآفته من الفهم السَّقِيم

ولكن تأخذ الأذهان (١) منه … على قَدَرِ القَريحَةِ والعُلُومِ (٢)

أخذه الآخر، فقال:

والنجم تستصغر الأبصارُ صُورته … والذَّنْبُ للطَّرفِ لا للنجم في الصَّغَرِ (٣)

وقال الآخر:


(١) في «ديوان المتنبي»: «الآذان».
(٢) البيتان ضمن قصيدة في «ديوان أبي الطيب» (ص ٢٣٩ - مع «العرف الطيب»).
(٣) البيت لأبي العلاء المعري، كما في «دمية القصر» (١/ ٢٠٦).

<<  <  ج: ص:  >  >>