للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

المعنى:

هذا شروع منه سبحانه في حكاية شبه كفرية ودفعها. أي: وإذا نسخنا حكم آية فأبدلنا مكانه حكم آية آخرى، والله أعلم بالذي هو أصح فيما ينزل، قال المشركون لرسوله: إنما أنت متقوّل على الله، تأمر بشيء ثم تنهى عنه، وأكثرهم لا يعلمون ما في التبديل من حكم بالغة، ثم قال تعالى مبينًا لهؤلاء المعترضين على حكمة النسخ الزاعمين أن ذلك لم يكن من عند الله وأن الرسول افتراه: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ﴾ [النحل: ١٠٢] الآية، أي: قل لهم يا محمد: قد (١) جاء جبريل بما أتلوه عليهم من عند ربي، على مقتضى حكمته البالغة، من تثبيت المؤمنين وتقوية إيمانهم بما فيه من أدلة قاطعة، وبراهين ساطعة، على وحدانية خالق الكون، وباهر قدرته، وواسع علمه، وجعله هاديًا ببشارة المسلمين الذين آمنوا بالله ورسوله.

ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا﴾ [النحل: ١٠٣] يعلم محمدًا القرآن ﴿بَشَرٌ﴾ من بني آدم غير ملك، ثم أجاب سبحانه عن قولهم هذا، فرد عليهم وكذبهم في قيلهم فقال: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] أي: إن لسان الذي تميلون وتشيرون إليه بأنه يعلم محمدًا أعجمي؛ أي: لا يتكلم بالعربية، والقرآن كلام عربي تفهمونه بأدنى تأمل، فكيف يكون الذي يقوله أعجميًا؟ فهذا القول لا يقوله من له أدنى مسكة من عقل، وفي التشبت (٢) بمثل هذه المطاعن الركيكة والخرافات الساذجة أبلغ دليل على أنهم بلغوا غاية العجز:

فَدَعْهُم يزعمون الصُّبحَ ليلًا (٣) … أَيَعْمى العالَمُونَ عَنِ الضّياءِ (٤).

ويستنبط من الآية الكريمة:

إثبات النسخ، وأنه لحكمة ومصلحة، وإثبات صفة العلم الله تعالى، وإثبات الألوهية، وإثبات علو الله على خلقه، ودليل لمذهب أهل السنة والجماعة أن القرآن منزل غير مخلوق، والرد على من زعم أنه مخلوق، والرد على من قال:


(١) كذا في مطبوع «الكواشف الجلية»، وفي الأصل: «قل»!
(٢) في مطبوع «الكواشف الجلية»: «التشبث».
(٣) في مطبوع «شرح ديوان المتنبي»: «وَهَبْني قلتُ هذا الصبح ليل».
(٤) هذا البيت للمتنبي. انظر: «شرح ديوان المتنبي» للبرقوقي (١/ ١٣٨).

<<  <  ج: ص:  >  >>