ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، وإن تقرب مني شبرًا تقربت منه ذراعًا، وإن تقرب مني ذراعًا تقربت منه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» (١).
ومن فهم شيئًا (٢) من هذه النصوص تشبيهًا أو حلولًا أو اتحادًا؛ فإنما أُتي من جهله وسوء فهمه عن الله ﷿ وعن رسوله (٣)، والله رسوله بريئان من ذلك كله، فسبحان من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير».
قال محمد تقي الدين: ثم تكلم الحافظ ابن رجب فيما يجده أهل المشاهدة والمراقبة الذين بوأهم الله درجة الإحسان في عبادة ربهم ومناجاته وحبه والتبتل إليه من لذة الأنس به ما لا يستطيع اللسان ولا القلم أن يبينه حق التبيين ولو أطال القول فيه، وإنما يدرك بالذوق لا حرمنا الله من ذلك؛ وحاصله أن من استأنس بالله استوحش من غيره، ومن لم يستأنس بالله، لم يزل في وحشة دائمة ولو سيقت له الدنيا بحذافيرها.
والأمارات - بفتح الهمزة - العلامات، ووقت قيام الساعة لا يعلمه إلا الله ولكن له علامات تسمى: العلامات الصغرى وعلامات أخرى تسمى العلامات الكبرى، والمراد بالأمارات هنا العلامات الصغرى، ومعنى:«أن تلد الأمة ربتها». وفي رواية أبي هريرة (٤): «ربها» مختلف فيه فقال أكثر الشراح: معناه أن يكثر السبي والتسري بالسبايا، فتلد المرأة لسيدها أولادًا يكونون سادتها تبعًا لأبيهم، وهذا الشرح لا يعجبني وليس بصحيح لأنه كان واقعًا في زمان النبي ﷺ وفي زمان الصحابة والمفهوم من الحديث أنه يكون في آخر الزمان، ويرده أيضًا أن الأم كيفما كانت فهي في الإسلام سيدة لأولادها، قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء: ٢٤]. فيجب على كل ولد أن يتخذ أمه سيدة له، وإن كانت قبل ذلك أمة مملوكة ولا يمكن أن تكون له عليها سيادة أبدًا، والذي
(١) أخرجه البخاري كتاب التوحيد، باب قول الله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ (٧٤٠٥)، ومسلم كتاب الذكر والدعاء، باب الحث على ذكر الله تعالى (٢٦٧٥) من حديث أبي هريرة. (٢) في مطبوع «جامع العلوم والحكم»: «من شيء». (٣) في مطبوع «جامع العلوم والحكم»: «عن الله ورسوله». (٤) يريد حديث جبريل الطويل، فقد رواه جمع من الصحابة، منهم: أبو هريرة، أخرج روايته البخاري (٥٠، ٤٧٧٧)، ومسلم (٩) وغيرهما، وهو المعني في كل ما يأتي من قول المصنف: «في حديث أبي هريرة»، فليكن ذلك على بالك.