للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

يكون الله ورسوله والجهاد في سبيله أحب إليه من أهله وماله، ومثله (١): خشية الله وحده دون خشية المخلوقين، ورجاء الله وحده دون رجاء المخلوقين، والتوكل على الله وحده دون المخلوقين، والإنابة إليه مع خشيته كما قال تعالى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣٢، ٣٣]. ومثله الحب في الله والبغض في الله والموالاة الله والمعادات الله.

والثاني: ظنهم أن كل من حكم الشارع بأنه كافر مخلد في النار، فإنما ذاك لأنه لم يكن في قلبه شيء من العلم والتصديق.

وهذا أمر خالفوا به الحس والعقل والشرع، وما أجمع عليه طوائف بني آدم السليمي الفطرة وجماهير النظار، فإن الإنسان قد يعرف أن الحق مع غيره ومع هذا يجحد ذلك؛ لحسده إياه، أو لطلب علوه عليه، أو لهوى النفس، ويحمله ذلك الهوى على أن يعتدي عليه، ويرد ما يقول بكل طريق، وهو في قلبه يعلم أن الحق معه.

وعامة من كذب الرسل علموا أن الحق معهم وأنهم صادقون، لكن إما لحسدهم وإما لإرادتهم العلو والرئاسة، وإما لحبهم دينهم الذي كانوا عليه وما يحصل لهم به من الأغراض، كأموال ورئاسة وصداقة أقوام وغير ذلك، فيرون في اتباع الرسل ترك الأهواء المحبوبة إليهم أو حصول أمور مكروهة إليهم، فيكذبونهم ويعادونهم فيكونون من أكفر الناس كإبليس وفرعون، مع علمهم بأنهم على الباطل والرسل على الحق.

ولهذا لا يذكر الكفار حجة صحيحة تقدح (٢) في صدق الرسل، وإنما يعتمدون على مخالفة أهوائهم، كقولهم لنوح: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١].

ومعلوم أن اتباع الأرذلين له لا يقدح في صدقه، لكن كرهوا مشاركة أولئك كما طلب المشركون من النبي إبعاد الضعفاء، كسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وخباب بن الأرت وعمار بن ياسر وبلال … ونحوهم.

وكان ذلك بمكة قبل أن يكون في الصحابة أهل صفة، فأنزل الله تبارك


(١) في مطبوع «كتاب الإيمان»: «مثل».
(٢) في الأصل: «تقدم» والتصويب من كتاب «الإيمان».

<<  <  ج: ص:  >  >>