تقدم، أو بالقلب واللسان دون الجوارح، كما ذكره الطحاوي عن أبي حنيفة وأصحابه (١) أو باللسان وحده، كما تقدم ذكره عن الكرامية، أو بالقلب وحده، وهو إما المعرفة، كما قاله الجهم، أو التصديق كما قاله أبو منصور الماتريدي (٢)، وفساد قول الكرامية والجهم بن صفوان ظاهر.
والاختلاف الذي بين أبي حنيفة والأئمة الباقين من أهل السنة اختلاف صوري (٣)، فإن كون أعمال الجوارح لازمة لإيمان القلب أو جزءًا من الإيمان،
(١) في مطبوع «شرح العقيدة الطحاوية» زيادة: «﵀». (٢) في مطبوع «شرح العقيدة الطحاوية»: «﵏». (٣) كذا قال شارح «الطحاوية»! وتعقبه شيخنا الألباني في تعليقه على «الطحاوية» (ص ٦٢ - ٦٣ - فقرة ٦٢)، فقال: «ليس الخلاف بين المذهبين اختلافًا صوريًا كما ذهب إليه الشارح - رحمه الله تعالى -، بحجة أنهم جميعًا اتفقوا على أن مرتكب الكبيرة لا يخرج عن الإيمان، وأنه في مشيئة الله، إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه. فإن هذا الاتفاق وإن كان صحيحًا، فإن الحنفية لو كانوا غير مخالفين للجماهير مخالفة حقيقة في إنكارهم أن العمل من الإيمان، لا تفقوا معهم على أن الإيمان يزيد وينقص وأن زيادته بالطاعة، ونقصه بالمعصية، مع تضافر أدلة الكتاب والسنة والآثار السلفية على ذلك، وقد ذكر الشارح طائفة طيبة منها (ص ٣٨٤ - ٣٨٧) [٣٤٢ - ٣٤٤]، ولكن الحنفية أصروا على القول بخلاف تلك الأدلة الصريحة في الزيادة والنقصان، وتكلفوا في تأويلها تكلفًا ظاهرًا، بل باطلًا، ذكر الشارح (ص ٣٨٥) [٣٤٢] نموذجًا منها، بل حكى عن أبي المعين النسفي أنه طعن في صحة حديث الإيمان بضع وسبعون شعبة .. » مع احتجاج كل أئمة الحديث به، ومنهم البخاري ومسلم في «صحيحيهما»! وهو مخرج في «الصحيحة» (١٧٦٩)، وما ذلك إلا لأنه صريح في مخالفة مذهبهم! ثم كيف يصح أن يكون الخلاف المذكور صوريًا، وهم يجيزون لأفجر واحد منهم أن يقول: إيماني كإيمان أبي بكر الصديق! بل كإيمان الأنبياء والمرسلين وجبريل وميكائيل عليهم الصلاة والسلام! كيف وهو بناءً على مذهبهم هذا لا يجيزون لأحدهم - مهما كان فاسقًا فاجرًا - أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، بل يقول: أنا مؤمن حقًا! والله ﷿ يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٢ - ٤] ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢]، وبناءً على ذلك كله اشتطوا في تعصبهم، فذكروا أن من استثنى في إيمانه فقد كفر! وفرعوا عليه أنه لا يجوز للحنفي أن يتزوج بالمرأة الشافعية وتسامح بعضهم - زعموا - فأجاز ذلك دون العكس، وعلل ذلك بقوله: تنزيلًا لها منزلة أهل الكتاب! وأعرف شخصًا من شيوخ الحنفية خطب ابنته رجل من شيوخ الشافعية، فأبي قائلًا: لولا أنك شافعي فهل بعد هذا مجال للشك في أن الخلاف حقيقي؟ ومن شاء التوسع في هذه المسألة فليرجع إلى كتاب شيخ =