ثم إنه أَشْرَفَ عليهم مرَّةً أخرى، فوعَظَهُمْ وذَكَرَهُم، فلم تَأْخُذْ فيهم الموعظة، وكان النَّاسُ تَأْخُذُ فيهم المَوْعِظَةُ أَوَّلَ مَا يَسْمَعُونها، فإذا أُعِيدَتْ عليهم لم تَأْخُذ فيهم.
قال: ثم إنه فتح الباب، فوضَعَ المُصحف بين يديه، قال: وذاك أنه رأى مِنَ اللَّيْلِ أَنَّ نَبِيَّ الله ﷺ قال له: «يا عثمانُ، أَفْطِرْ عندنا (١) الليلة».
قال أبي: فحدثنا الحسَنُ: أَنَّ فُلانًا (٢) دخل عليه، فأخذ بلحيته، فقال: لقد أخَذْتَ مِنِّي مَأْخَذًا، أو: قعَدْتَ مِنِّي مَقْعَدًا، ما كان أبوكَ لِيَقْعُدَه، أو قال: ليأخذه، فخرج وتركه.
فدخل عليه رجلٌ آخَرُ، يقال له: الموت الأسود، فخنَقَه، ثمَّ خَنَقَه، ثم خرج، فقال: والله لقد خنَقْتُه فما رأَيْتُ شيئًا قطُّ أَلْيَنَ مِنْ حَلْقِه، والله لقد خنَقْتُه حتى رَأَيْتُ نَفَسَه تَرَدَّدُ في جَسَدِهِ كنَفَسِ الجان (٣)، قال: فخرج وتركه.
ثم دخل عليه رجل، فقال: بيني وبينك كتاب الله - والمصحف بين يديه - فأَهْوَى له بالسَّيْفِ، فاتَّقاه بيدِه، فقطعها، فلا أَدْرِي أبانها، أم قطعها ولم يُبنها، فقال عثمان ﵁: أما والله إنها لأَوَّلُ كَفَّ حَطَّتْ في المصحف.
وقال في غير حديث أبي سعيد: فدخل عليه التَّجِيبي (٤)، فَأَشْعَرَهُ
(١) ش: ١٨/ أ. (٢) هو محمد بن أبي بكر الصديق. كما جاء مصرحًا به في رواية إسحاق وغيره، ولعل عدم ذكر اسمه عند المصنف تأدبًا مع أبيه الصديق ﵁. (٣) (الجان): الدقيق الخفيف من حيات البيوت. انظر «النهاية» ١: ٣٠٨. (٤) (التجيبي) هو كنانة بن بشر بن عتاب، قُتِل بفلسطين سنة ست وثلاثين، ذكره ابن حجر في «الإصابة» ٩ (٧٥٣٦) في القسم الثالث - للمخضرمين، وقال: «ذكرته؛ لأنَّ الذهبي ذكر عبد الرحمن بن مُلْجِم - قاتل علي، وهذا قاتل عثمان - لأنَّ له إدراكًا، وينبغي أن يُنزّه عنهما كتاب الصحابة».