والنَّبيُّ ﷺ يتلو هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ إلى آخر الآية (١) فغُشِيَ على الشَّابُّ، فلما أفاق دخل على النَّبيِّ ﷺ، فقال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، هذه الآيةُ لمن كنَزَ الذَّهَبَ والفِضَّةَ؟ قال له النَّبِيُّ ﷺ:«نعم، يا مالك»، فقال مالك: والذي بعثك بالحق نبيًا، لَيُمْسِيَنَّ مالك ولا يَمْلِكُ درهمًا ولا دينارًا، قال: فتصدَّقَ بماله كله.
فبينا هو ذات يوم يتردَّد في طريق المدينة إِذْ أَشرَفْنَ عليه نساء من قريش، فقلن له: أنت مالك بن ثعلبة؟ قال: نعم، قُلْنَ له: أنت الذي سمِعْتَ آيَةً مِنْ كتاب الله - تعالى - فغُشِي عليك، فتصدَّقْتَ بمالك كله؟ قال: نعم، ثم بكى وقال: والذي بعث محمَّدًا ﷺ بالحقِّ، لأعتزل المدينة والنِّساء حتى يأتيني رسولٌ مِنْ رسول الله ﷺ، وهو يقول: واحسبي!، حسبي وضعني فلا يرفَعُني يوم القيامة، النَّارُ فرَّق بيني وبين حبيبي محمد، النَّارُ فرق بيني وبين أهلي، النَّارُ فرق بيني وبين جيراني، النار فرق بيني وبين مالي، النار فرق بيني وبين أحبائي، النار قطع نياط قلبي وأَحْنَى صُلْبي، قال: فلحق بأطراف الجبال يعبد الله ﷿ يصوم نهاره، ويقوم ليله.
وكان سلمان ﵁ يمر على بابه إلى المسجد، فمر ذات يوم فإذا هو بجارية تبكي وتقول: وا أبتاه! واأبتاه! النَّارُ فرَّق بيني وبينك، النَّار أَيْتَمني منك في الدُّنيا، - يعني - فذكر ذلك لرسول الله ﷺ، فدمعتا عينا رسول الله ﷺ، ثم قال:«انطلقوا بنا» فلما دَنَوْا من الباب، قرعَ سلمان ﵁ الباب، فقالت الجارية: الحمد لله الذي لم أمُتْ حتى نظَرْتُ إِليكَ مرَّةً أخرى.
قال سلمان ﵁: يا جارية، أنا سلمان، فلما فتحت الباب نظر إليها النبي ﷺ، فبكى بكاء شديدًا، وبكوا أصحابه، فقال لها النَّبِيُّ ﷺ: «يا جارية،