ما الذي تشتهين؟ أتشتهين مَوْزًا؟ أتشتهين أقطًا وتمرًا؟» قالت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، ما أشتهي مما ذكَرْتَ شيئًا، ولكن أشتهي أن أنظر إلى وجه أبي مرَّةً أخرى، قال النَّبيُّ ﷺ:«يا عمر، و يا سلمان، اِذْهَبا في طلب مالك».
فذهبا في طلبه، فرأياه على ذروة جبل يبكي، ويقول: النَّارُ فرق بيني وبين مجلس حبيبي محمد ﷺ، النار فرق بيني وبين أهلي، النار تركني مُفْرَدًا (١) في الجبال، قال: فتعلق عمر ﵁ بتلبيبه، ثم قال له: يا مالك، أَجِبْ رسول الله ﷺ، قال: نعم، سَمْعُ وطاعة لرسول الله ﷺ، فانطلقا به، حتى أدخلاه على رسول الله ﷺ، فلما نظر إليه النَّبيُّ ﷺ بكى بكاء شديدًا، وبكوا أصحابه.
فقال له النبي ﷺ:«يا مالك، ما لي أرى لونك متغيرًا؟» قال: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، النَّارُ ذهب بلون وجهي، وأحْنَى صُلْبي، النَّارُ فَرَّق بيني وبين مجلسك، فقال النبي ﷺ: «يا مالك (٢)، أَسْمِعْه آيةً من كتاب الله ﷿»، قال: فتلا هذه الآية: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٤٣] فشَهَق شهقة، فإذا هو قد فارق الدنيا، فناداه النَّبِيُّ ﷺ فلم يُجبه، فقال عمر ﵁: قد - والله - فارق الدنيا، يا رسول الله!، فقال النَّبِيُّ ﷺ:«إياكم أن تُخبروا ابنته حتى أُخْبِرَها أنا».
وفشا أمره في المدينة، فبلغ الجارية الخبرُ، فخرجَتْ من خِدْرها حتى أتت المسجد، فنظرت إلى أبيها قد سُجِّيَ عليه وفارق الدنيا، فقالت: يا عمر، أَسْمِعْني الآية التي خرج منها روح أبي مالك، فأسمعها، فشهَقَتْ شهقةً فإذا هي قد فارقَتْ الدُّنيا، فقال النَّبِيُّ ﷺ:«روحان عجل الله - تعالى - بعضها على إثر بعض»(٣).
(١) ش: ٨٧/ أ. (٢) (يا مالك) كذا في ب، ش، وفوقها في ش ضبة إشارة إلى صحة النقل، واستشكاله. (٣) أورده ابن الأثير في «أسد الغابة» ٥ (٤٥٧٣)، وابن حجر في «الإصابة» ٩ (٧٦٣٨).