عليه صَدْرًا من ﴿كهيعص﴾ [مريم: ١] قالت: فبكى - والله - النجاشي حتى أَخْضلَ لحيته، وبكَتْ أساقِفَتُه حتى أَخْضَلُوا مصاحِفَهُم حين سمعوا ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إنَّ هذا والذي جاء به موسى ﵇ َيَخْرُج مِنْ مِشْكاة واحدة، انْطَلِقا، فوالله ﷿-ا أُسْلِمُهم إليكما أبدًا، ولا أكاد.
قالت أم سلمة ﵂: فلما خرجا من عنده، قال عَمْرُو بن العاص: والله لأُنْبِئنَّه غدًا عَيْبَهم عنده، ثم أَسْتأصِلُ به خَضْراءَهُم، قالت: فقال له عبد الله بن أبي ربيعة - وكان أَتْقَى الرَّجُلين فينا -: لا تَفْعل؛ فإنَّ لهم أرحامًا وإن كانوا قد خالفونا، قال: والله ﷿-أُخْبِرَنَّه أنهم يزعمون أنَّ عيسى ابن مريم عبد، قالت: ثم غدا عليه الغَدُ، فقال له: أيُّها الملك، إنهم يقولون في عيسى ابن مريم ﵇ قولًا عظيمًا! فَأَرْسِلْ إليهم فسلهم عما يقولون فيه، قالت: فأرسل إليهم يسألهم عنه، قالت: ولم يَنْزِلْ بنا مِثْلُها، فاجتمع القوم، فقال بعضُهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول - والله - فيه ما قال الله ﷿ وما جاء به نبينا ﷺ، كائنًا في ذلك ما هو كائن.
فلما دخلوا عليه، قال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب ﵁: نقول فيه الذي جاء به نبينا، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته، ألقاها إلى مريم العذراء البتول، قالت: فضربَ النَّجاشي بيده إلى الأرض، فأخذ منها عودًا (١)، ثم قال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، فتناخَرَتْ بطارِقتُه حوله حين قال ما قال، فقال (٢): وإِنْ نَخَرْتُم والله، اِذْهَبوا فأنتم سُيُومٌ بأرضي - والسُّيوم: الآمنون - مَنْ سبَّكم غُرِّم (٣)، ثم مَنْ سَبَّكُم غُرِّم، ثم مَنْ سَبَّكُم غُرِّم، ما أُحِبُّ أَنَّ لي دَبْرًا ذهبًا وأني آذَيْتُ رجلًا منكم - والدبر بلسان الحبش: الجبل - رُدُّوا عليهما هداياهما، فلا حاجة لنا بها، فوالله ما أخذ الله مِنِّي الرِّشْوة حين رَدَّ عليَّ مُلْكي فأخُذَ الرّشوة فيه، وما أطاعَ النَّاسَ في فَأُطِيعَهُم فيه.
(١) ش: ١٠٩/ أ. (٢) (فقال) سقطت من ب. (٣) (غُرّم) الضبط من ب في هذا الموضع، والمواضع الآتية.