أحمد، يخرج بتهامة، وكان رجُلًا أعجميًا لا يُحْسِنُ أن يقول: محمد، علامته أنه يأكل الهديَّة، ولا يأكل الصَّدقة، بين كتفيه خاتَمُ النُّبوَّة، وهذا زمانه الذي يخرج فيه قد تقارب، فأما أنا فإنّي شيخ كبير، ولا أَحْسَبُني أُدْرِكُه، فَإِنْ أنت أدركته فصَدِّقه واتَّبِعْه، قال: قلت: وإِنْ أمرني بتَرْكِ دينك وما أنت عليه؟ قال: وإِنْ أمرك؛ فإِنَّ الحَقَّ فيما يأمر به، ورِضَى الرَّحمن فيما قال.
فلم يَمْضِ إلا يسيرًا حتى استيقظ فَزِعًا يَذْكُر الله - تعالى ـ، فقال لي: يا سلمان، مضى الفَيْءُ مِنْ هذا المكان، ولم أَذْكُر الله - تعالى! أين ما كنت جعلت على نفسك؟!، قلت: أَخْبَرُ في نَفْسي أَنَّك لم تنم منذ كذا وكذا، وقد رأيتُ بعض ذلك، فأحبَبْتُ أَنْ تَسْتوفي من النوم، فحمد الله - تعالى - وقام.
فخرج فتَبِعْتُه، فمَرَّ بالمُقْعَد، فقال المُقعَد: يا عبد الله، دخلت فسألتك فلم تُعْطِني، وخرجت فسألتك فلم تُعْطِني؟! فقام ينظر: هل يرى أحدًا؟ فلم يره، فدنا منه، فقال له: ناولني يدك، فناوله، فقال: بسم الله، فقام كأنَّه نَشِط من عقال صحيحًا لا عيب به، وخلَّى عن يده، فانطلق ذاهبًا، وكان لا يلوي على أحد، ولا يقوم عليه، فقال لي المُقعَد: يا غلامُ، اِحْمِلْ عليَّ ثِيابي حتى أنطلق فأُبشِّرَ أهلي، فحملتُ عليه ثيابه، وانطلق لا يلوي عليَّ.
فخرجت في إثره أطلبه، فكلما سألتُ عنه، قالوا: أمامك، حتى لَقِيَني رَكْبٌ من كَلْبِ، فسألتهم، فلما سَمِعُوا لُغَتي أناخ رجلٌ منهم بعيره، فجعلني خلفه، حتى أتوا بي بلادهم، فباعوني، فاشترتني امرأة من الأنصار، فجعلتني في حائط لها.
وقدم رسول الله ﷺ، فأُخْبِرْتُ به، وأخذتُ شيئًا من تمر حائطي، فجعلته على شيء، ثم أتيتُه فوجدتُ عنده ناسًا، وإذا أبو بكر ﵁ أقرب الناس إليه، فوضعته بين يديه، فقال لي:«ما هذا؟» قلت: صدقة، فقال (١) للقوم: «كُلوا»