وجنة نعيم، فإذا رأى ذلك المؤمن، وتكشف له ما عند الله ﷿ يتهوّع بنفسه لتخرج روحه شوقًا مما يرى، قال: فإذا انتهى الروح إلى الحلقوم، يقول الجسد: جزاك الله عني من صاحب خير، قَرَّبْتَنِي إلى طاعة الله - تعالى -، وباعدتني من معصية الله - تعالى -، ويقبض مَلَكُ الموتِ ﵇ روحه، فيبادره الملائكة، فيلف في تلك الرياط.
ثم عُمِدَ إلى السماء، فتفتح له أبواب السماء، فليس باب إلا وهو يحب أن يصعد منه، فتتلقاه ملائكة السماء فتقبضه منهم، ثم يُرْفَعُ إلى السماء السابعة، ويشيّعه من كل سماء مَلَكُ من مُقَرَّبِها، حتى يُوافى به العرش، فيقول الله ﷿: مرحبًا بالروح الطيبة من الجسد الطيب، ثم يُدْعَى بصحيفة عمله، فيتجاوز عن سيئاته، ويتقبل حسناته، ثم يُخْتَمُ له بالرحمة بشهادة المقربين، ثم يضعه من تحت قائمة العرش اليمنى، فذلك قوله ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (١٨) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (١٩) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٢٠) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٨ - ٢١] أني قد تجاوزت عن سيئاته، وتقبلت حسناته.
ثم يُؤمر بالروح إلى الجنة، فيُعرض على منازله، ثم يُقال: ردّوه إلى جسده، فيقول: يا رب، أين تَرُدُّني؟ كنتُ على وَجَلٍ، فيُقال: للوعد الذي لا خُلْفَ له ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ الآية كلها (١).
قال: فيُرَدُّ إلى جسده، فيوضع بين الكفن والصدر، فإذا وضع في قبره تقول له الأرض: مرحبًا بعبدٍ كنتَ أحبه وهو فوقي فكنتَ وقد وَلِيْتَ أمره، قال: فإذا سُوِّيَ عليه دخل عليه الملكان: مُنْكَرٌ ونكير، أصواتهما كالرعد القاصف، وأعينهما كالبرق الخاطف، وأنيابهما كأزجة الرُّمح، يطأن في أشعارهما، ويَحْفِرَان بأنيابهما، وبيد كل واحد منهما مِقْمَعَةٌ من حديد، لو وضعت بالأرض ثم اجتمع من خلق الله ﷿ ما حَرَّكَهُما إلا بإذن الله، ولهَبٌ