ويُداويه، فقلت: يا هذا، ما بي شيءٌ مِمَّا تذكرون، إنِّي لأرى نفسي سليمة وفؤادي صحيحًا، ليس بي قلبة.
فقال أبي - وهو زوج ظتري -: ألا ترَوْنَ إلى كلامه صحيحًا؟ إني لأرجو أَنْ لا يكونَ بِبُنَيَّ بأس.
فأَتَوْا به كاهِنَهُم، فَقَصُّوا عليه، فقال: أسكتوا حتى أسمع من الغلام أَمْرَه، فهو أعلم بأمره منكم، فسألني، فقصَصْتُ عليه أمري من أوله إلى آخره، فوثب إليَّ فضمَّني إلى صَدْرِه، ثم نادى بأعلى صوته: يا للعرب - مرتين! أقتلوا هذا الغلام، واقتلوني معه، فواللات والعُزَّى لَئِنْ تركتموه وأدركَ لَيُخالِفَنَّ أمرَكُم، ولَيُسفَهنَّ عقولَكُم وعقول آبائكم، ولَيُبدِّلَنَّ دينَكُم، وليأتِينَّكُم بدين لم تَسْمَعُوا بمِثْله.
فعَمَدَتْ ظئري، فانتزَعَتْني مِنْ حَجْره، وقالت: لأَنتَ أَعْتَهُ وأَجَنُّ مِنْ بُنِيَّ هذا، ولو علِمْتُ أنَّ هذا قولك ما أتيتُك به، فاطلُبْ لِنفسكَ مَنْ يقتُلكَ، فأنا غير قاتل هذا الغلام، ثم احتملُوني فأَدَّوْني إلى أهلي.
وأصبحتُ مُعَرَّى مما فُعِل بي، وأصبح أثَرُ الشَّقِّ ما بين مَفْرِقِ صَدْري إلى منتهى عانتي كأنه الشراك، فذاك يا أخا بني عامر حقيقة أمري، وبدء شأني».
فقال العامري: أشهَدُ بالله الذي لا إله غيرُه أَنَّ أَمرَكَ لَحقِّ، فَأَنْبِثْني بأشياء أسألك عنها، قال: سَلْ عنك كلمة بلغة بني عامر.
فقال: يا ابن عبد المطلب، ماذا يزيد في العلم؟ قال:«التَّعلم»، قال: فما يزيد في الشَّرِّ؟ قال:«التَّمادي»، قال: فهل البِرُّ بعد الفجور؟ قال:«نعم، التَّوْبَةُ تَغْسِلُ الحَوْبة، والحسناتُ يُذْهِبْنَ السَّيِّئات، وإذا ذكر العبد ربه ﷿ في الرخاء أجابه عند البلاء»، قال: يا ابن عبد المطلب، وكيف ذاك؟ قال: لأنَّ الله ﷿ يقول: وعِزَّتي وجلالي لا أَجْمَعُ أبدًا لِعَبْدِي أَمْنَيْن، ولا أجمَعُ عليه أبدًا خَوْفَيْن، إِنْ هو أَمِنَنِي في الدُّنيا خافَني يومَ أجمع فيه عبادي لميقات يوم معلوم، فيدوم له خوفه، وإن هو خافني في الدُّنْيا أَمِنَنِي يوم أجمَعُ فيه