نَصْنَعُها فَتُكَفِّرَ عنَّا ما عَمِلْنا، فاختار موسى قومه سبعين رجلًا لذلك، لا يألو الخير خيار بني إسرائيل، ومن لم يُشْرِك في العِجْل، فانطلق بهم ليسأل لهم التوبة، فرجَفت بهم الأرض، فاستحيا موسى نبي الله من قومه ووَفْدِه حين فُعل بهم ما فعل، فقال: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] وفيهم من قد كان الله ﷿ على اطلع على ما كان أُشْرِبَ قلبه من حُبِّ العجل، فلذلك رجَفَتْ بهم الأرض، فقال: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٦ - ١٥٧]، فقال: رَبِّ سألتُكَ التَّوبة لقومي، فقلت: إنَّ رحمتك كتبتها لغير قومي، فلَيْتِكَ أَخَرْتَني حين تُخْرِجُني (١) حيًا في أُمَّة ذلك الرجل المرحومة، فقال الله ﷿ له: إنَّ توبتهم أن يقتل كلُّ رجل منهم مَنْ لَقِي مِنْ والد أو ولد فيقتله بالسيف، لا يُبالي من قتل في ذلك الموطن، وتاب أولئك الذين كان خَفِي على موسى وهارون ما اطلع الله عليهم من ذنوبهم، فاعترفوا بها، وفعلوا ما أُمروا به، وغفر الله - تعالى - للقاتل والمقتول.
ثم سار بهم موسى متوجّهًا نحو الأرض المُقدَّسة، وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب، وأمرهم بالذي أُمِر به أَنْ يُبلِّغَهُم من الوظائف، فثَقُل ذلك عليهم، وأبَوْا أَنْ يُقِرُّوا بها، فنتق الله عليهم الجبل كأنَّه ظُلَّةٌ، ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم، فأخذوا الكتاب بأيمانهم وهم مضغون وينظرون إلى الجبل والأرض، والكتاب بأيديهم، وهم ينظرون إلى الجبل مخافة أن يقع عليهم.
ثم مضوا إلى الأرض المُقدَّسة، فوجدوا مدينةً فيها قوم [جبارون](٢)، خَلْقُهم خلقٌ مُنكرٌ، وذكرَ مِنْ ثمارهم أمرًا عجَبًا مِنْ عِظَمِها، فَقَالُوا يَمُوسَى إِنَّ
(١) (حين تخرجني) كذا في المخطوط، وفي بعض المصادر: «حتى تخرجني». (٢) في المخطوط (جبارين) وعليها علامة توقف، وما أثبته من مصادر التخريج.