﴿فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ﴾ [المائدة: ٢٢] لا طاقة لنا بهم ﴿فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ﴾ فـ ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ [المائدة: ٢٢ - ٢٣] مِنْ الجَبَّارين - وفي غير (١) روايتنا: قال يزيد - يعني ابن هارون-: هكذا قرأ ابن عباس ﵄ يعني: بضم الياء (٢) - آمَنَا بموسى، فخرجا إليه، فقالا: نحن أعلمُ بقومنا، إن كنتم إنَّما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعدَدِهم فإنَّهم لا قلوبَ لهم، ولا منعة عندهم، فـ ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٢٣].
ويقول أناس: إنَّهما من قوم موسى، وزعم سعيد بن جبير أنَّهم من الجبارين آمنا بموسى، يقول ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ [المائدة: ٢٣]: إِنَّما عنى بذلك من الذين يخافهم بنو إسرائيل، فـ ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، فأغضبوا موسى، فدعا عليهم، وسماهم فاسقين، ولم يَدْعُ عليهم قبل ذلك لما رأى منهم من المعصية وإساءاتهم حتى كان يومئذ، فاستجاب الله ﷿ له، فسماهم بما سماهم موسى: فاسقين، فحرَّمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض، يُصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار، ثم ظلل عليهم الغمام في التيه، وأنزل عليهم المن والسلوى، وجعل لهم ثيابًا لا تَبْلَى ولا تَتَّسِخ، وجعل بين ظَهْرَيْهم حجَرًا مُربَّعًا، وأمر موسى فضربه بعصاه ﴿فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: ٦٠]، في كلِّ ناحيةٍ ثلاثةُ أَعْيُنٍ، وأعلم كلَّ سِبْطٍ عينهم التي يشربون منها، فلا يرتحلون مِنْ مَنْقَلة إلا وجدوا ذلك الحجر منهمرًا (٣) بالمكان الذي كان منه بالأمس.
رفع ابن عباس ﵄ هذا الحديث إلى النَّبيِّ ﷺ، وصدق ذلك عندي أنَّ
(١) ش: ٢٣١/ أ. (٢) أي: (يُخافون) وعزا ابن عطية في «المحرر الوجيز» ٢: ١٧٤ هذه القراءة لسعيد بن جبير ومجاهد أيضًا. (٣) (منهمرًا) كما في المخطوط، وفي «الإتحاف»: «منهم»، وفي «مسند أبي يعلى»: «فيهم».