أغمصه (١) عليها أكثر من أنها جارية حديثة السِّنّ تنام عن العجين، فتأتي الداجن (٢) فتأكلها. قالت: فقام رسول الله ﷺ من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبي بن سلول. فقال:«من يعذرني من رجل بلغني أذاه في أهلي؟ فو الله ما علمت من أهلي إلا خيرًا، وقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي». قالت: فقام سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله، أنا والله أعذرك منه، إن كان من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا فيه أمرك، فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان قبل ذلك رجلا صالحًا، ولكن احتملته الحمية على أن قال: كذبت لعمر ﵁، ما تقتله ولا تقدر على قتله، فقال أسيد بن حضير: كذبت لعمر ﵁ لنقتلنه، فإنَّك منافق تماري عن المنافقين، قال: فثار الحيان الأوس والخزرج، حتَّى هموا، ورسول الله ﷺ على المنبر، قال: فنزل فخفضهم حتى سكتوا وسكت، قالت: وبكيت يومي ذلك لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، فأصبح عندي أبواي وقد بكيت ليلة ويوما، حتى أظن أن البكاء فالق كبدي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي إذ استأذنت امرأة من الأنصار فأذنت لها، فجلست تبكي معي، قالت: بينا نحن كذلك إذ دخل رسول الله ﷺ فجلس، ولم يجلس عندي من يوم قيل في ما قيل قبلها، وقد مكث شهرًا لا يوحى إليه في شأني، قالت: فتشهد ثم قال: «أما بعد يا عائشة، فإنَّه قد بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسوف يبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإنَّ العبد إذا اعترف بذنبه وتاب تاب الله عليه». فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص
(١) أغمصه: أي: أعيبها به وأطعن به عليها. انظر: النهاية (٣/ ٣٨٦). (٢) الداجن: وهي الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم. انظر: النهاية (٢/ ١٠٢).