ثم رفع (١) رأسه، ورمى بالعود، فقال: ألا أحدثكم ما سمعت من رسول الله ﷺ يقولُ في الشَّمس والقمر، وبَدْءِ خلقهما، ومصير أمرهما؟ قلنا: نعم، رحمك الله يا ابن عباس.
قال: إنَّ رسول الله ﷺ سُئل عن ذلك، فقال: «إنَّ الله - تعالى - لما أبرم خلقه إبرامًا، فلم يَبْقَ مِنْ خَلْقِه غير آدم ﵇، خلق شمسين من نور عرشه، فأما ما كان في سابق علمه أن يدَعَها شمسًا، فإنَّه خلقها مِثْلَ الدُّنيا، ما بين مشارقها ومغاربها، وأما كان في سابق علمِه أَنْ يَطْمِسَها ويُحوّلها قمرًا، فإنَّه خلقها دون الشمس في العِظَم، ولكن إنَّما يُرَى صِغَرُها من شدَّة ارتفاع السَّماء، وبُعْدِها من الأرض، فلو ترك الله - تعالى - الشمس والقمر كما كان خلقهما في بَدْءِ أمرهما، لم يعرف النَّاسُ اللَّيل من النهار، ولا النَّهار من الليل، وكان لا يَدْري الأجيرُ إلى متى يعمل، ومتى يأخُذ أَجْرَه، ولا تدري المرأة كيف تعتد، ولا يدري المسلمون متى وقت صلاتهم، ومتى وقت حجهم، ولا يدري الصائم إلى متى يصوم، ومتى يُفطر، ولا يعلم المِدْيانُ (٢) متى يحُلُّ دَيْنُهم، ولا يدري الناس متى يزرعون لمعايشهم، ولا يدرون متى يَسْكُنون لراحة أجسادهم، وكان الله ﵎ أنظر لعباده، وأرحم بهم، فأرسل جبريل ﵇، فأمَرَّ جَناحَه على وجه القمر، وهو يومئذ شمس - ثلاث مرات ـ، فمسح عنه الضوء، وبقي فيه النُّور، فذلك قول الله ﷿: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا﴾ [الإسراء: ١٢]، قال: فالسواد الذي ترونه في القمر شبه الخطوط فيه هو أثَرُ المَحْو.
ثم خلق الله ﷿ للشمس عجلة - زاد أبو الشيخ في روايته: - مِنْ ضَوْء نور العرش، لها ثلاث مئةٍ وسِتُّون عُرْوةً - ثم قالا - ووكَّل بالشَّمس وعجَلَتِها.