الأئمة في ذلك على طبقاتهم بعد سرد الأحاديث النبوية. جمع الله قلوبنا على التقوى (١)، فإننا على أصل صحيح، وعَقْد متين، من أن الله تقدس اسمه لا مثل له، وأن إيماننا بما ثبت من نعوته كإيماننا بذاته المقدسة (٢) عن الأشباه من غير أن نتعقل الماهية، فكذلك القول في صفاته نؤمن بها ونعقل وجودها، ونعلمها في الجملة من غير أن نشبهها أو نمثلها (٣) بصفات خلقه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، فالاستواء - كما قال مالك الإمام وجماعة -: معلوم والكيف مجهول (٤).
١ - فمن الأحاديث الواردة المتواترة (٥) في العلو: حديث معاوية بن الحكم السلمي قال: كانت لي غنيمة (٦) بين أحد والجوانية فيها جارية لي، فاطلعتها ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب منها بشاة - وأنا رجل من بني آدم - فأسفت، فصككتها، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فعظم ذلك عليَّ، فقلت: يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال:«ادعها» فدعوتها، فقال لها:«أين الله؟» فقالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال:«أعتقها فإنها مؤمنة» هذا حديث صحيح.
وقال ابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٢/ ٩٢٨): «والمعنى: إنما يتمارى اثنان في آية، يجحدها أحدهما، ويدفعها ويصير فيها إلى الشك؛ فذلك هو المراء الذي هو الكفر. وأما التنازع في أحكام القرآن ومعانيه؛ فقد تنازع أصحاب رسول الله ﷺ في كثير من ذلك، وهذا يبين لك أن المراء الذي هو الكفر هو الجحود والشك؛ كما قال ﷿: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَة مِنْهُ﴾ [الحج: ٥٥]، والمراء والملاحاة غير جائز شيء منها، وهما مذمومان بكل لسان، ونهى السلف ﵃ عن الجدال في الله - جل ثناؤه - وفي صفاته وأسمائه»، وانظر: «شرح السنة» (١/ ٢٦١). (١) بعدها في مطبوع «العلو»: «وجنبنا المراء والهوى». (٢) بعدها في مطبوع «العلو»: «إذ الصفات تابعة للموصوف، فنعقل وجود الباري ونميز ذاته المقدسة». (٣) في مطبوع «العلو»: «من غير أن نتعقلها أو نشبهها أو نكيفها أو نمثلها». (٤) أخرجه عثمان بن سعيد الدارمي في الرد على الجهمية رقم (١٠٤)، وأبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف رقم (٢٤، ٢٥، ٢٦)، وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٣٢٥ - ٣٢٦)، والبيهقي في «الأسماء والصفات» (٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥، ٣٠٥ - ٣٠٦، رقم ٨٦٦، ٦٨٧، ط. الحاشدي)، واللالكائي في السنة رقم (٦٦٤)، وابن عبد البر في «التمهيد» (٧/ ١٥١) من طرق عنه. وجود إسناده ابن حجر في «الفتح» (١٣/ ٤٠٦، ٤٠٧). (٥) في مطبوع «العلو»: «المتوافرة». (٦) في مطبوع «العلو»: «غنم».