قال: قلت: يا أمير المؤمنين، من لا يعقل عن الله ما يخاطب به نبيه وما علمه لعباده في كتابه، يدّعي العلم ويحتج للمقالات والمذاهب ويدعو الناس للبدع والضلال!!
قال بشر: أنا وأنت في هذه سواء، تنتزع آيات من آيات القرآن لا تعلم تفسيرها، ولا تأويلها وأنا أردّ ذلك وأدفعه، حتى تأتي بما أفهمه وأعقله.
قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين فذاك كلام بشر وتسويته فيما بيني وبينه، ولقد فرق الله فيما بيني وبينه، وأخبر الله أنا على غير السواء، وأَكْذَبَهُ في دعواه، فقال المأمون وأين ذلك من كتاب الله ﷿، قلت: قال الله ﷿: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩]. فأنا - والله - يا أمير المؤمنين أعلم أن الذي أنزل عليه هو الحق وأؤمن به، وبشر قد شهد على نفسه أنه لا يعلمه ولا يفهمه ولا يعقله ولا يقبله، وأنه مما لا يقوم لي به عليه حُجّة (١) فلم يقل كما قال الله ﷿، ولا كما قال نبيه، ولا كما قال موسى ﵇، ولا كما قالت الملائكة، ولا كما قال المؤمنون، ولا كما قال أهل الكتاب، ولقد أخبر الله عن جهله وأزال عنه التذكرة (٢)، وأخرجه عن جملة أولي الألباب، لكنّ أمير المؤمنين لما خصه الله به من الفضل والسؤدد، وشرفه به من الحلم والفضل، ورزقه من الفهم والمعرفة، قد (٣) عقل عن الله قوله، وعرف ما عنى به فقبله، واستحسنه ممن انتزع به بين يديه.
فقال بشر: قد أقرّ بين يديك أن القرآن شيء، فليكن عنده كيف شاء، فقد اتفقنا جميعًا أنه شيء، وقد قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٣] فهذه لفظة لم تدع شيئًا إلا أدخلته في الخلق، ولا يخرج عنها شيء ينسب إلى الشيء؛ لأنها لفظة قد استوعبت الأشياء كلها، وأتت عليها مما ذكرها الله ﷿ ومما لم يذكرها، فصار القرآن مخلوقًا بنص التنزيل لا بتأويل ولا بتفسير.
قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين عليّ أن أكسر قوله وأكذبه فيما قال بنص التنزيل حتى يرجع عن قوله، أو يقف أمير المؤمنين على كسر قوله وبطلان دعواه.
(١) سقطت من الأصل، وأثبتها من مطبوع «الحيدة». (٢) كذا في مطبوع «الحيدة»، وفي الأصل: «المذكرة»! (٣) غير موجود في مطبوع «الحيدة».