للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

فقال المأمون: قل ما عندك.

قلت: قال الله في قصة عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥] فهل أبقت الريح يا بشر شيئًا لم تدمره؟ قال: لا، قد دمرت كل شيء كما أخبر الله عنها فلم يبق شيء إلا وقد دخل تحت هذه اللفظة.

فقلت: قد أكذب الله ﷿ من قال هذا بقوله: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥] فأخبر أن مساكنهم كانت باقية بعد تدميرهم ومساكنهم أشياء كثيرة وقد قال: ﴿مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ﴾ [الذاريات: ٤٢] وقد قال في قصة بلقيس: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٢٣] فهل بقي يا بشر شيء لم تؤته بلقيس؟ قال: أنا أقول أن هذه اللفظة تجمع الأشياء كلها.

فقلت: قد أكذب الله ﷿ من قال هذا؛ لأن ملك سليمان كمثل ملك بلقيس مائة ألف مرة ولم تؤته».

ومضى عبد العزيز الكناني في مناظرته مع بشر إلى أن قال له: «فقلت: يا بشر قال الله ﷿: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ [طه: ٤١] ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٢٨] وقال: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام: ٥٤] وقال: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] فقد أخبرنا الله ﷿ في مواضع كثيرة من كتابه أن له نفسًا فتقر يا بشر أن الله نفسًا كما أخبر عنها، قال: نعم.

فقلت: يا أمير المؤمنين اشهد عليه أنه أقرَّ أن الله نفسًا، قال: نعم.

قد سمعت قوله وشهدت عليه، فقلت: قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] فتقول يا بشر: إن نفس الله ﷿ داخلة في هذه النفوس التي تذوق الموت، فصاح المأمون بأعلى صوته - وكان جهوري الصوت -: معاذ الله معاذ الله.

قال عبد العزيز: فرفعت صوتي إذًا وقلت: معاذ الله أن يكون كلام الله داخلًا في الأشياء المخلوقة، كما أن نفسه ليست بداخلة في الأشياء الميتة» (١).

قال محمد تقي الدين وأكتفي بهذا القدر من كلام الإمام الكناني ومن أراد استقصاءه فليرجع إلى كتاب «الحيدة» (٢).


(١) انظر: «الحيدة» (ص ٢٣ - ٤٣، ٥٣) بتصرف.
(٢) قال الذهبي في «الميزان» (٢/ ٦٣٩) في ترجمة الكناني: لم يصح إسناد كتاب «الحيدة» =

<<  <  ج: ص:  >  >>