دليل عظمة هذا الكتاب وهيمنته على الكتب السابقة، وتوضيحه لما وقع فيها من اشتباه واختلاف، وأنه جاء حكمًا على بني إسرائيل، فيما اختلفوا فيه، فأبان لهم الحق، والرد على من قال: إن كلام الله هو المعنى النفسي. ووجوب الرجوع إلى القرآن واتباعه، وأن الاختلاف متقدم في الأمم، وإثبات صفة الكلام لله، والرد على من أنكر صفة الكلام أو أوّلها بتأويل باطل.
الآية السابعة عشرة:
يقول جل شأنه مخبرًا عن عظمة هذا الكتاب ﴿وَهَذَا كِتَابٌ﴾ أي: القرآن ﴿أَنزَلْنَاهُ﴾ يعني على محمد ﷺ ﴿مُبَارَكٌ﴾: أي: كثير الخير والمنافع، دائم البركة، يبشر بالثواب والمغفرة والرحمة ويزجر عن الأفعال القبيحة والمعصية. ففي هذه الآية دليل على إثبات صفة الكلام، والحث على تدبر القرآن والاعتناء بما فيه من أحكام وإرشادات، ولطف الله بخلقه حيث أنزل إليهم هذا الكتاب العظيم، وإثبات قدرة الله، والرد على الجهمية القائلين أن القرآن مخلوق، ودليل لقول أهل السنة أن القرآن منزل غير مخلوق، ودليل على الله على خلقه، وفيه رد على من قال: إن القرآن كلام محمد أو جبريل أو بشر أو غير ذلك، ورد على من قال: إن القرآن مخلوق كالمعتزلة ومن أخذ بقولهم، وأن القرآن كثير الخير دائم المنفعة والبركة، وفيه رد على من قال: إن كلام الله المعنى النفسي.
الآية الثامنة عشرة:
يقول تعالى معظمًا لأمر القرآن، ومبيّنًا علو شأنه وقدره، وأنه حقيق بأن تخشع له القلوب، وتتصدع عند سماعه؛ لما فيه من الوعد والوعيد الأكيد: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١] أي: من شأنه، وعظمته، وجودة ألفاظه وقوة معانيه وبلاغته، واشتماله على المواعظ التي تلين لها القلوب أنه لو أنزل على جبل من الجبال؛ لرأيته مع كونه في غاية الصلابة وضخامة الجرم وشدة القشوة خاشعًا متصدعًا؛ أي: منقادًا متذللًا، متشققًا من خوف الله.