للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

البخاري في «صحيحه» (١) كالمقرر له.

قال (ج): ويستشهد من قال ذلك بقول الشاعر:

أستغفر الله ذنبًا لستُ مُحصِيَهُ … ربَّ العباد إليه الوجه والعَمَلُ (٢)

وهذا القول لا ينافي القول الأول، فإن هذا إخبار عن كل الأعمال بأنها باطلة، إلا ما أريد به وجه الله تعالى من الأعمال الصالحة المطابقة للشريعة، والقول الأول مقتضاه أن كل الذوات فانية وزائلة إلا ذاته تعالى وتقدس، فإنه الأول والآخر، الذي هو قبل كل شيء وبعد كل شيء.

قال أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي الدنيا في كتاب «التفكر والاعتبار» بسنده إلى ابن عمر أنه: «كان إذا أراد أن يتعاهد قلبه يأتي الخربة فيقف على بابها فينادي بصوت حزين، فيقول: أين أهلكِ؟ ثم يرجع إلى نفسه فيقول: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ (٣) وقوله: ﴿لَهُ الْحُكْمُ﴾ أي: الملك والتصرف، ولا معقب لحكمه ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: يوم معادكم فيجزيكم بأعمالكم، إن كان خيرًا فخير، وإن شرًا فشر» (٤).

قال محمد تقي الدين: ولم أذكر القدم في صفات الله تعالى، ولم أصفه بالقديم؛ لأن هاتين الكلمتين مبتدعتان من عبارات أهل الكلام والمتفلسفين، وصفات الله تعالى غنية عن عباراتهم بألفاظ الكتاب والسنة، فقولنا في حقه سبحانه: هو الأول بلا بداية، الآخر بلا نهاية، يغنينا عن عباراتهم؛ لأن القدم يتصف به المخلوق الذي وجد منذ زمان بعيد، ونحن لا نصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله .


(١) انظر الهامش السابق.
(٢) انظر: «تفسير ابن جرير» (١/ ١٧٠)، (٦/ ١١)، (١٨/ ٣٥٤)، و «معاني القرآن» للفراء (٢/ ٣١٤).
(٣) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (٣/ ٢٨٦)، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٣١/ ١٧٤)، وابن أبي الدنيا في «التفكر» كما في «الدر المنثور» (١١/ ٥٢٥ - ٥٢٦). (ملاحظة) هذا الأثر غير موجود في مطبوع «الاعتبار وأعقاب السرور والأحزان» لابن أبي الدنيا.
(٤) انظر: «تفسير ابن كثير» (١٠/ ٤٩١ - ٤٩٢) بتصرف.

<<  <  ج: ص:  >  >>