للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم أخبر سبحانه عن عظمته وجلاله، وأن كرسيه الذي هو موضع القدمين الله وسع السموات والأرض وما فيهما، وأنه حفظهما وأسكنهما عن الزوال والتزلزل، وجعلهما على نظام بديع جامع للأحكام والمنافع المتعددة التي لا تحصى.

والصحيح أن الكرسي غير العرش، وأنه في العرش كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض، ومع ذلك فلا يؤوده حفظهما، أي: لا يثقله ولا يكرثه حفظهما، أي: حفظ العالم العلوي والسفلي؛ وذلك لكمال قدرته وقوته.

﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ ختم سبحانه هذه الآية بهذين الاسمين الجليلين، فهو سبحانه الذي له العلو المطلق من جميع الوجوه: علي (١) الذات بكونه فوق جميع الخلق على العرش استوى، وعلو القدر، إذ إن له كل صفة كمال، وله من تلك الصفة أعلاها وغايتها، العظيم الذي له جميع أوصاف العظمة والكبرياء وله العظمة والتعظيم الكامل في قلوب أنبيائه وملائكته وأصفيائه، فلا أعظم منه ولا أكبر.

قال الشيخ: يجب أن يعلم أن العالم العلوي والسفلي بالنسبة إلى الخالق تعالى في غاية الصغر، كما دلت عليه النصوص من الكتاب والسنة، ولا نسبة لها في عظمة الباري بوجه من الوجوه، وهي في قبضته أصغر من الخردلة في كف الإنسان، والخليقة مفطورة على أنها تقصد ربها في جهة العلو لا تلتفت عن ذلك يمنة ولا يسرة، وجاءت الشريعة بالعبادة والدعاء بما يوافق الفطرة، بخلاف ما عليه أهل الضلال من المشركين والصابئين من المتفلسفة وغيرهم، فإنهم غَيَّروا الفطرة في العلم والإرادة جميعًا. اهـ.

فحقيق بآية احتوت على هذه المعاني الجليلة أن تكون أعظم آيات القرآن، وأن يكون لها من المنع وحفظ قارئها من الشرور والشياطين ما ليس لغيرها (٢)

[فصل]

قال محمد تقي الدين: كل ما يفعله العبد تقربًا إلى الله تعالى، إذا فعله لغيره كان مشركًا، قد اتخذ مع الله إلهًا آخر، ومن ذلك: الدعاء والاستغاثة.


(١) في مطبوع «الكواشف الجلية»: «علو».
(٢) انظر: «الكواشف الجلية» (ص ٤٨ - ٥٠) بتصرف.

<<  <  ج: ص:  >  >>