للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

رحمته، وغير ذلك من صفات الكمال الذاتية، وأنه القيوم الذي قام بنفسه، واستغنى عن جميع مخلوقاته، وقام بالموجودات كلها، فخلقها وأحكمها ورزقها ودبرها وأمَدَّها بكل ما تحتاج إليه، وهذا الاسم يتضمن جميع الصفات الفعلية (١)، ولهذا ورد أن الحي القيوم هو الاسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب، وإذا سئل به أعطى (٢)، بدلالة الحي على الصفات الذاتية، والقيوم على الصفات الفعلية والصفات كلها ترجع إليهما.

ومن كمال قيوميته أنه لا تأخذه سِنة ولا نوم، والسِّنَة: النعاس. وهو الذي يتقدم النوم من الفتور وانطباق العينين ويكون في الرأس، فإذا وصل إلى القلب صار نومًا، والنوم غشية ثقيلة تقع على القلب، تمنعه معرفة الأشياء، فلا يحس ولا يشعر بها.

ثم ذكر عموم ملكه للعالم العلوي والسفلي، ومن تمام ملكه أن الشفاعة كلها له، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، ففيها ذكر الشفاعة التي يجب إثباتها وهي التي تقع بإذنه لمن ارتضى. والشفاعة المنفية التي يعتقدها المشركون وهي ما كانت تطلب من غير الله أو بغير إذنه، فمن كمال عظمته سبحانه أن لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه. ولا يأذن إلا لمن ارتضى قوله وعمله، وبين أن المشركين لا تنفعهم شفاعة الشافعين.

ثم ذكر سعة علمه وإحاطته، وأنه لا تخفى عليه خافية من الأمور ولا بينة، وأما الخلق فإنهم لا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، وهو ما أطلعهم عليه من الأمور الشرعية والقدرية، وهو جزء يسير جدًا في علوم الباري ومعلوماته كما قال أعلم الخلق، وهم الرسل والملائكة ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢].

وكما قال الخضر: «يا موسى ما نَقْصُ علمي وعلمك من علم الله، إلا كنقرة هذا العصفور في البحر» (٣).


(١) كذا مطبوع «الكواشف الجلية»، وفي الأصل: «العلمية»!.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) أخرجه البخاري (١٢٢)، ومسلم (٢٣٨٠) من حديث أبي بن كعب.

<<  <  ج: ص:  >  >>