للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

ثم قال شيخ الإسلام (ص ١٧٨): «والإرادة التامة مع القدرة تستلزم الفعل، فيمتنع أن يكون الإنسان محبًا لله ورسوله، مريدًا لما يحبه الله ورسوله إرادة جازمة مع قدرته على ذلك وهو لا يفعله، فإذا لم يتكلم الإنسان بالإيمان مع قدرته، دل على أنه ليس في قلبه الإيمان الواجب الذي فرضه الله عليه».

ومن هنا يظهر خطأ قول جهم بن صفوان ومن اتبعه، حيث ظنوا أن الإيمان مجرد تصديق القلب وعلمه، ولم يجعلوا أعمال القلب من الإيمان، وظنوا أنه قد يكون الإنسان مؤمنًا كامل الإيمان بقلبه، وهو مع هذا يسب الله ورسوله ويعادي الله ورسوله، ويعادي أولياء الله، ويوالي أعداء الله، ويقتل الأنبياء، ويهدم المساجد، ويهين المصاحف، ويكرم الكفار غاية الكرامة، ويهين المؤمنين غاية الإهانة، قالوا: وهذه كلها معاص لا تنافي الإيمان الذي في قلبه، بل يفعل هذا وهو في الباطن عند الله مؤمن، قالوا: وإنما ثبت له في الدنيا أحكام الكفار؛ لأن هذه الأقوال أماراة على الكفر، ليحكم بالظاهر كما يحكم بالإقرار والشهود، وإن كان في الباطن قد يكون بخلاف ما أقر به، وبخلاف ما شهد به الشهود.

فإذا أورد عليهم الكتاب والسنة والإجماع على أن الواحد من هؤلاء كافر في نفس الأمر معذب في الآخرة، قالوا: فهذا دليل على انتفاء التصديق والعلم من قلبه، فالكفر عندهم شيء واحد، وهو الجهل، والإيمان شيء واحد وهو العلم، أو تكذيب القلب وتصديقه، فإنهم متنازعون هل تصديق القلب شيء غير العلم أو هو هو؟

وهذا قول مع أنه أفسد قول قيل في الإيمان، فقد ذهب إليه كثير من أهل الكلام المرجئة، وقد كفّر السلف - كوكيع بن الجراح وأحمد بن حنبل وأبي عبيد وغيرهم - من يقول بهذا القول، وقالوا: إبليس كافر بنص القرآن، وإنما كفره باستكباره وامتناعه عن السجود لآدم، لا لكونه كذب خبرًا، وكذلك فرعون وقومه.


= وإسناده ضعيف، القاسم لم يسمع من أبي ذر، والراوي عنه المسعودي واختلط قبل موته.
وعزاه في «الدر المنثور» (١/ ٤١١) لإسحاق بن راهويه في «مسنده» - و (مسند أبي ذر) مفقود من القطعة المتبقية منه، ونشر جلها -، وابن مردويه ولبعضه شاهد. انظر (ص ٧٢ هامش ٦)، وانظر: «كتاب الإيمان» (١٤٣ - ١٤٤) بتصرف.

<<  <  ج: ص:  >  >>