للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

حنيفة؟ قال: بم أجيبه وهو يحدثني بهذا عن رسول الله .

ثم قال شارح: «الطحاوية»: «مسألة الاستثناء في الإيمان، وهو أن يقول - أي الرجل -: أنا مؤمن إن شاء الله، والناس فيه على ثلاثة أقوال: طرفان ووسط، منهم من يوجبه، ومنهم من يحرمه، ومنهم من يجيزه باعتبار ويمنعه باعتبار وهذا أصح الأقوال».

الأول: أما من يوجبه فلهم مأخذان: أحدهما: أن الإيمان هو ما مات الإنسان عليه، والإنسان إنما يكون عند الله مؤمنًا أو كافرًا باعتبار الوفاة (١) وما سبق في علم الله أنه يكون عليه، وما قبل ذلك لا عبرة به.

قالوا: والإيمان الذي يعقبه الكفر فيموت صاحبه كافرًا ليس بإيمان، كالصلاة التي أفسدها صاحبها قبل الكمال، والصيام الذي يفطر صاحبه قبل الغروب، وهذا مأخذ كثير من الكلابية وغيرهم.

وعند هؤلاء أن الله يحب في الأزل من كان كافرًا إذا علم منه أنه يموت مؤمنًا، فالصحابة ما زالوا محبوبين قبل إسلامهم، وإبليس ومن ارتد عن دينه ما زال الله يبغضه وإن كان لم يكفر بعد، وليس هذا قول السلف ولا كان يقول بهذا من يستثني من السلف في إيمانه، وهو فاسد، فإن الله تعالى قال: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. فأخبر أنهم يحبهم إن اتبعوا الرسول، فاتباع الرسول شرط المحبة، والمشروط لا يتأخر (٢) عن الشرط، وغير ذلك من الأدلة.

ثم صار إلى هذا القول طائفة غلوا فيه، حتى صار الرجل منهم يستثني في الأعمال الصالحة، يقول: صليت إن شاء الله! ونحو ذلك، يعني القبول.

ثم صار كثير منهم يستثنون في كل شيء فيقول أحدهم: هذا ثوب إن شاء الله! هذا حبل إن شاء الله، فإذا قيل لهم: هذا لا شك فيه. يقولون: نعم، لكن إذا شاء الله أن يغيره غيره.

المأخذ الثاني: أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك ما نهاه عنه كله، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن، بهذا الاعتبار فقد شهد لنفسه


(١) في مطبوع «شرح العقيدة الطحاوية»: «الموافاة».
(٢) في مطبوع «شرح العقيدة الطحاوية»: «والمشروط يتأخر»!

<<  <  ج: ص:  >  >>