للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة
<<  <  ج: ص:  >  >>

أنه من الأبرار المتقين القائمين بجميع ما أمروا به، وترك كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله المقربين، وهذا مع تزكية الإنسان لنفسه، ولو كانت هذه الشهادة صحيحة، لكان ينبغي أن يشهد لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال، وهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون، وإن جوزوا ترك الاستثناء، بمعنى آخر، كما سنذكره إن شاء الله تعالى ويحتجون أيضًا بجواز الاستثناء فيما لا شك فيه، كما قال تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]، وقال حين وقف على المقابر: «وأنا إن شاء الله بكم لاحقون» (١). وقال أيضًا: «إني لأرجو أن أكون أخشاكم الله» (٢). ونظائر هذا.

• وأما من يحرمه، فكل من جعل الإيمان شيئًا واحدًا، فيقول: أنا أعلم أني مؤمن، كما أعلم أني تكلمت بالشهادتين، فقولي: أنا مؤمن، كقولي: أنا مسلم، فمن استثنى في إيمانه فهو شاك فيه، وسموا الذين يستثنون في إيمانهم (الشكاكة)، وأجابوا عن الاستثناء الذي في قوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] بأنه يعود إلى الأمن والخوف، فأما الدخول فلا شك فيه، وقيل: لتدخلن جميعكم أو بعضكم؛ لأنه علم أن بعضكم يموت، وفي كلا الجوابين نظر، فإنهم وقعوا فيما فروا منه، فأما الأمن والخوف فقد أخبر أنهم يدخلون آمنين، مع علمه بذلك، فلا شك في الدخول، ولا في الأمن، ولا في دخول الجميع أو البعض، فإن الله قد علم من يدخل فلا شك فيه أيضًا.

فكان قول: ﴿إن شَاءَ الله﴾ هنا تحقيقًا للدخول، كما يقول الرجل فيما عزم على شيء أن يفعله لا محالة: والله لأفعلن كذا إن شاء الله، لا يقولها لشك في إرادته وعزمه، ولكن إنما لا يحنث الحالف في مثل هذه اليمين لأنه يجزم بحصول مراده.

وأجيب بجواب آخر لا بأس به، وهو: أنه قال ذلك تعليمًا لنا كيف نستثني إذا أخبرنا عن مستقبل، وفي كون هذا المعنى مرادًا من النص نظر، فإنه ما سيق الكلام إلا أن يكون مرادًا من إشارة «النص» (٣). اهـ.


(١) أخرجه مسلم كتاب الجنائز، باب ما يُقال عند دخول القبور والدعاء لأهلها (٩٧٤) من حديث عائشة.
(٢) سبق تخريجه.
(٣) انظر: «شرح العقيدة الطحاوية» (٣٩٥ - ٣٩٧).

<<  <  ج: ص:  >  >>