أصدأ مرآة مخيّلته، وأفسد صورة ممثّلته، فعظم اختلاطا، وكثر خلطا، وضيق عليه دار البقاء حتى حلّ من القبر في دار اللقاء.
سكن بغداد، وحدّث بها، ولم يكن للشافعية في وقته أرأس منه، ولا أورع، ولا أكثر تقلّلا منه، وكان ثقة من أهل العلم والفضل والزهد في الدنيا (١).
قال أبو الطيّب أحمد بن عثمان السمسار والد أبي حفص [عمر] ابن شاهين: حضرت عند أبي جعفر الترمذي، فسأله سائل عن حديث رسول الله ﷺ:"إن الله تعالى ينزل إلى سماء الدنيا"(٢). فالنزول كيف؟. أيبقى فوقه علو؟!. فقال أبو جعفر: النّزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة (٣).
وكان من التقلّل في المطعم على حال عظيمة، فقرا، وورعا، وصبرا على الفقر. أخبرني محمد بن موسى بن حمّاد، أنه أخبره: أنه تقوّت في سبعة عشر يوما بخمس حبّات!. أو قال: ثلاث حبّات. قلت: كيف عملت؟. قال: لم يكن عندي غيرها، فاشتريت بها لفتا، فكنت آكل كل يوم واحدة.
وذكر أبو إسحاق الزجّاج [النحوى] أنه كان يجري عليه في كل شهر (٤) أربعة دراهم، وكان لا يسأل أحدا شيئا (٥).
(١) تاريخ الإسلام ٢٢/ ٢٤٥. ووفيات الأعيان لابن خلكان ٤/ ١٩٥. (٢) روى الطبراني في الكبير بسنده عن عثمان بن أبي العاص ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إن الله ﷿ ينزل إلى السماء الدنيا في كل ليلة؛ فيقول: هل من داع فأستجيب له هل من مستغفر فأغفر له". انظر: معجم الطبراني الكبير: باب الظاء. عثمان بن أبي العاص. الحسن بن أبي الحسن عن عثمان بن أبي العاص - ٩/ ٥٥. (٣) تاريخ بغداد ١/ ٣٦٥. وتاريخ الإسلام ٢٢/ ٢٤٥. والنص عن ابن خلكان ١٩٥: ٤. (٤) الأصل: يوم، والإصلاح من ابن خلكان ١٩٥: ٤. (٥) تاريخ بغداد ١/ ٣٦٦، وتاريخ الإسلام ٢٢/ ٢٤٥.