ما كان أهنأ عيشنا وألذّه … فيها، وذاك طراز عمري لو بقي] (١)
ومنهم:
٥٣ - محمد بن محمد بن عبد القادر بن الصايغ (*)
الشافعي، الإمام، الزاهد، بدر الدين، أبو اليسر.
غلب الجنيد في جمعه، وسبق إبراهيم بن أدهم بدمعه، وزاد على أبي يزيد في كشفه، وتأنّى والسري يسري من خلفه، ومعروف يستدل بعرفه، هذا مع علم جمّ، هو الذي أوجب له أن يزهد، وأراه ما وراء البصر ليشهد، وكان يدع في غالب أوقاته المدينة ويخرج إلى قراها شغفا بالخمول، والبعد، ليتقدّم أمام الحمول، ولما خلا منصب قضاء القضاة بدمشق عرض عليه، وترقّق له ليقبله ملك الأمراء تنكز، ولم يتطلّع إليه، وجاءه تقليد السلطان، فحين بلغه وصوله فرّ إلى بعض القرى، وتغيّب أياما لا يرى، وصمّم على رأيه في عدم القبول، وبقي التقليد حتى جفّ، وأسرع في ورقه الذبول، ثم إنه ولي خطابة بيت المقدس، وازداد به ضياء يومها المشمس، ثم إنه تركها، وأفلت منها، وقطع شبكها.
أخذ الفقه عن ابن الفركاح، ولازمه ملازمة ظلّه، وطاوعه مطاوعة نعله، وتشبّه بأفعاله، وتشبّث بأذياله، وسلك نحو طريقته المثلى، وكان غاية في الورع والتقشّف، والتقلّل من الدنيا، والفرار من الناس، وكان أبعد الناس من شبهة، لم يزاحم في مدة عمره على منصب، ولا نافس لسوامه في مجدب ولا مخصب.
وكانت بيني وبينه صداقة مؤكدة الإخاء، معدّة للشدة والرخاء.
(١) ما بين المعقوفتين زيادة من هامش المخطوطة. (*) الوافي بالوفيات للصلاح الصفدي ١/ ٣٣٢ - ٣٣٣. وأعيان العصر وأعوان النصر للصلاح الصفدي ٥/ ١٩٩ - ٢٠٠، والدرر الكامنة ٤/ ٢٢٦، وذيو العبر ٢٧٢.