جنى، وأنبوبة من قنا، يفضح النجوم الزواهر في إشراقها، ويلف الغيوم المواطر في أوراقها، طالما رمى إلى المعالي طرفا رامحا، وأجرى طرفا (١) جامحا، وكان مذ كان مغرى بتتبع ما أشكل لكشف غوامضه، وكف ما غطى الحق (٢) من عوارضه، بهمة عليّة لو سقطت السحائب لهمّ بجمعها، أو الكواكب لما رضي لكلمه بلمعها، أو الكتائب لولّوا أمامه وأعينهم تفيض بدمعها، عادت على حفظة كتبه حسن نيته، وصدق سريرته وعلانيته، فلم ير منهم إلا من أثرى بالآمال أو ولي بالأعمال، أو تصدّر وجاءت منقادة إليه الآمال.
سكن بغداد، وتفقّه على جماعة من الأعيان، وصحب القاضي أبا الطيب الطبري كثيرا، وانتفع به، وناب عنه في مجلسه، ورتبه معيدا في حلقته (٣).
ولمّا بنى نظام الملك مدرسته ببغداد سأله أن يتولاها فأبى، فولاها أبا نصر بن الصباغ (٤) مدة يسيرة، ثم أجاب إلى ذلك، فتولّاها، ولم يزل بها إلى أن مات ليلة الأحد، حادي عشرين جمادى الآخرة، سنة ست وسبعين وأربعمائة، ببغداد، ودفن من غده (٥).
وكان في غاية الورع والتشدد في الدين.
قال ابن النجار (٦): انتشر فضله في البلاد، وفاق أهل زمانه بالعلم والزهد، وأكثر علماء الأمصار من تلامذته.
(١) الطّرف: الخيل. (٢) كلمة ضرب عليها المؤلف. (٣) تاريخ الإسلام ٣٢/ ١٥٠، ووفيات الأعيان ١/ ٢٩. (٤) ابن الصباغ من فقهاء الشافعية سيأتي ذكره. (٥) تاريخ الإسلام للذهبي ٣٢/ ١٦٣. (والنقل هنا عن ابن خلكان). (٦) المستفاد من ذيل تاريخ بغداد ٤٥. وهذا النقل عن ابن خلكان الذي ينقل المؤلف عنه ترجمة المذكور وليس عن ابن النجار فيفهم.