للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

من بقايا البرامكة الكرام، والسادة الذين ليّنوا جانب الدهر العرام، وكان زمنه مثال ذلك الزمان الذاهب، وعلى منوال ذلك الإحسان والمواهب، مع التخلّق بتلك الخلائق التي كأنما بات يشب عنبرها، ويتخيّر من إكليل الثريا جوهرها، بحلم ما دار بمثله معاوية سورة غضبه، ولا دارى بشبيهه أبو مسلم أشتات غضبه، وكرم ما دانى السفّاح غمامه، ولا دان به المأمون وقد طلب الإمامة، هذا إلى أدب خف به الخفاجي (١)، واستصغر الوليد (٢) والطائي (٣) (٤)، مع إتقان في ضبط الوقائع، وحفظ البدائع، وتحقيق الأسماء، وتحرير النقل لكل ما تحت خيمة السماء.

أحد علماء عصره المشهورين، وسيد أدباء دهره المذكورين.

كان خبيرا بعلم الأدب، والنحو، واللغة، والعروض، حسن الشعر، عارفا بالتواريخ، صحيح الذهن، كثير المروءة، وافر العقل، كامل الرياسة، محبا للفضائل وأهلها.

ولي قضاء الشام عشر سنين، ثم انفصل، وسافر إلى الديار المصرية، وأقام بها مدرّسا بالمدرسة الفخرية.

[وكان لا يزال يتشوّق دمشق وأوطانها، ويتذكر أهلها وقطّانها، وفي ذلك يقول:

علّلاني عن الشآم بذكر … إنّ قلبي إليه بالأشواق

مثّلته الذكرى لعيني كأنّي … أتمشّى هناك بالأحداق

قال الكتبي: إنه حكي له أنه طلب بعد عمل هذين البيتين بخمسة أيام، ولي القضاء بدمشق]، فرجع إلى الشام متوليا، فاشتغل بقضاء القضاة ثلاث


(١) الخفاجي هو عبد الله بن محمد بن سنان، شاعر توفي سنة ٤٦٦ هـ (الأعلام ١٢٢: ٤).
(٢) يعني الشاعر المشهور البحتري.
(٣) يعني به أبا تمام الشاعر المعروف.
(٤) هنا قدر سطر ضرب عليه المؤلف.

<<  <  ج: ص:  >  >>