للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

قرى لضيوفها، ورعبه المخيّل مقدّما عنقه لسيوفها، وهو على صداء النوائب لا يزيد سيف ذهنه إلا صقالا، ورحب صدر إلا احتمالا، وكرم يده إلا بسط أنامل، وحط رحل لديه لآمل، وسعة نفس عرفت من بني عبد شمس هزه طرب لا تنكر لبقية أولئك العرب.

وجرت له مع سلطاننا أيام سلطة الأمراء عليه، وسلطنة المظفر بيبرس أمور هيّجت عليه ساكن حنقه، ولججت به إلى موضع غرقه، وكان هو ذلك الوقت بمصر، رأس تلك المجالس التي عقدت، ومبتدئ تلك الفتاوى التي عليه حقدت، ومرتّب تلك الأمور التي انتقدت، وناظم تلك القصائد التي كانت سبب تلك النيران التي عليه أوقدت.

وأراد الصاحب ابن الخليلي وهو إذ ذاك بطّال أن يمسكه ليتقرّب به إلى السلطان، وأخذ هو الخبر، ففرّ، وتردّد رأيه في أيّ جهة يقصد، ثم حمّل نفسه أهوالها، وقال: إما عليها وإما لها، وركب طريق البدرية حتى شارف قطيا، والسلطان قد أشرف عليها، فأتى بكتمر الحاجب لصحبة سالفة له به فعرفه بمجيئه، فقال: ليتك لا جئت، ثم لم يسعه إخفاء أمره، ولا خفاء ما أطلّ من بدره، فأمر السلطان بالتوكيل به، ثم أمر بإحضاره، فما كان إلا أن رآه وكلّمه، وإذا بتلك البارقة وقد تجلّت، وتلك الحفيظة قد ألقت ما فيها وتخلّت، ومدّ يد ذلك الغيم وقد تقشّع، وحديد ذلك الغضب وقد تقطّع، وذلك الحلم الناصري قد رقّت حواشي أهدابه، وراقت نواشي سحابه، فأمر بأن يكون في الصحبة مخلّى السبيل، محميّ القبيل، وأقيلت مواضي تلك الهفوة، وأقيمت مضاجع تلك الغفوة، ودخل مصر آمنا، وأقام في الظلّ الناصري ساكنا (١).

ثم خرج إلى حلب على وظائف تولاها، ومراتب وطئ بأخمصه أعلاها، ثم


(١) فوات الوفيات لابن شاكر ٤/ ١٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>