وقف على شعب الطريقين إلا وأخذ بأطراف المذهب، ولا مال إلى القديم (١) إلا وأعيا عياض (٢) وكبا أشهب (٢)، ولا قال بالجديد (١) إلا وتمنّى النهار أنه من خليع ملابسه يوهب، فإن عطف على الأصحاب نحو (الماوردي) عطر أرجاءه، أو (الرافعي) رفع قدره وحقّق رجاءه، أو (ابن الصباغ) أظهر ما حال من ألوانه، أو (المزني) أتى بالمطر في غير أوانه، أو (القفّال) لما فتح بابا، أو (إلكيا الهراس)(٣) لما وجد زبونا، ولا استفاد اكتسابا، وكان نورا مذ عقّ تمائمه، ونورا وما تجافى كمائمه، ودرّا وما فارق غمائمه، وصدرا وما لاث عمائمه.
حكى لي من رآه مراهقا، ولمبالغ الرجال مراهقا: أنه ما أغبّ كتابا من نظر، ولا تكلّم إلا وسكت من حضر، فلهذا بزّ (٤) نهايات الآمال، وعزّ بعده أن تدرك غايات الكمال، وكان أكثر ما ينتج الفتاوى مواقع سيله، ويخرج خطه وخطوط العلماء في ذيله، وأتقن كل علم، وأخذ منه بطرف، أو تسلّط عليه تسلّط من عرف، بسرعة إدراك اختصر طريقه، وقوة عارضة لا تمهل معارضها أن يبلع ريقه، بقواطع حجج لا يثبت معها مناظره، ولطافة حديث لا يمل منه محاضره، ما جالس - حتى ولا عدوا له - إلا وأخذ لبه، وقلب إليه قلبه، وكان خطّه أبهى من الرياض، وأزهى ما رئي من السواد في البياض، كأنه خط العذار، أو نقش المواشط في معاصم الأبكار، هذا إلى صورة محبوبة، وهيبة من النفوس قريبة.
وولي التدريس على صغر، وتصدّر في أجلّ محاريبه في الكبر، وكتب الإنشاء والحساب، ثم ولي الوكالة عن السلطان والقضاء بحلب، وما ولي شيئا
(١) يشير إلى مذهب الشافعي القديم ويقابله الجديد أو القول القديم والقول الجديد. (٢) عياض وأشهب من فقهاء المذهب المالكي. (٣) ما بين الأقواس أسماء لأعلام مشهورة في المذهب الشافعي سبق ذكرهم. (٤) أي فاق.