للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأتاه الخطيب القزويني، وابن الزملكاني برسائله، وجدّا في وسائله، وهو لا يلفت إليهم وجها، ولا يرى إلا عنهم غافلا يتلهّى، وقعد لها حتى تخطّته، ونزل عن صهوتها وقد أمطته.

تفقّه بأبيه، وابن الخويي، وأخذ النحو عن عمه شرف الدين، ودأب الليل والنهار في القراءة، والمطالعة، والاشتغال والإشغال، والتعليق والمراجعة، ومذاكرة من حضر، وطلب التحقيق لكل مسألة، والتحرير في حلّ كل مشكلة.

قلت: حكى لي من لا أشك فيه: أن ابن الزملكاني كان يعلق فتاوى الشيخ إذا أتته، وربّما تشكل عليه المسألة، فيضع لها سؤالا، ويدسّ به من يأتيه، فيأخذ خطّه عليه.

وكان ابن تيمية إذا ذكر الفقهاء قال: الفقيه ابن الفركاح.

وكان ابن المجد عبد الله يقول: ينبغي لمن حضر مع الشيخ برهان الدين أن يتأدّب.

وسمعته مرة يقول: ما يستحقّ أحد أن يتكلم مع الشيخ برهان الدين إذا تكلم في الفقه، ولكن يسمع.

وكان كريم النفس، سخيّ الكفّ، لا يردّ سائلا، ولا يخيّب آملا، على ضيق رزقه، وقلة ذات يده، مع الصبر والاحتمال، والقناعة والتصدي لأشغال الطلبة في المسجد الجامع، وفي المدرسة البادرائية (١)، وفي بيته، لا يرى له راحة إلا في التعب، فلا يزال معمور الأوقات بالذكر، والأشغال، والاشتغال، والمطالعة، والتصنيف، والتأليف، والفتوى، هذا إلى خلق حسن، وانبساط، ومجون لا يحظر مثله، مع ملازمة عيادة المرضى، وتشييع الجنائز، ومجاملة الناس


(١) المدرسة البادرائية: بدمشق، أنشأها عبد الله بن محمد بن الحسن البادرائي، البغدادي، المتوفى سنة ٦٥٥ هجرية. انظر: الدارس في تاريخ المدارس للنعيمي ١/ ١٥٤.

<<  <  ج: ص:  >  >>