بقية المشايخ القدماء، وآخر الأكابر العلماء، وكفؤ القضاء، وأهل الإمضاء، وصدر العظماء، وبدر الدين في الأرض أخو بدر السماء، تهادته من بيت المقدس عقيلتا الإسلام، وخطبته دمشق ضرة إرم ذات العماد، ومصر شقيقة بغداد دار السّلام، وجمع له في كل منهما بين الخطابة والقضاء، فأحسن فيهما عن الخلفاء الخلف، وأبيح له منهما الجمع بين الأختين وكان لا يباح إلا ما سلف (١)، ووفق بينهما وكانت لا تتفق الضرائر، ولا يحصل الجمع بين الأختين على صفاء السرائر، وتخلت كواعب المناصب غير ما مرة من حبائله، فكانت لا تعرف هجوعا، ولا تقرّ حتى تراجعه ويبيت لها ضجيعا.
وجمعني وإياه الحج، فلما كنا بموقف الصخرات، ونحن به حيث تعقد النظرات، نزل عن بغلة كان عليها، وركب ناقة تنقّل إليها، فطلع بدره أتمّ من قمر تلك العشية، وأوقر من تلك الأطواد العلية، فقلت:
يومنا في عرفات … كنت من إحدى المنائح
إذ وقفنا حول حبر … فيه تحلو لي المدائح
وعلى الناقة منه … بدر تمّ منه لائح
قيل: من هذا؟ فقلنا: … صاحب الناقة، صالح
ثم أتيت الديار المصرية حين انتقالي إليها، فكنت أجتمع به، وآخذ عنه.
مولده: بحماة، في سنة تسع وثلاثين وستمائة، وسمع سنة خمسين من شيخ الشيوخ الأنصاري، وبمصر من الرضي بن البرهان، والرشيد العطار، وإسماعيل بن عزّون وغيره (٢).
وبدمشق: من أبي اليسر، وابن عبد، وطائفة، وأجاز له عمر بن البراذعي،
(١) أي ما كان قبل الإسلام من الجمع بين الأختين في النكاح. (٢) انظر: أعيان العصر وأعوان النصر للصفدي ٤/ ٢٠٨. وفوات الوفيات ٣/ ٢٩٧.