وتفقّه على ابن قاضي شهبة، وابن الفركاح، ثم صحب ابن الزملكاني، والخطيب القزويني، وقرأ عليهما، وانتفع بهما، وكان ابن الزملكاني أول آذن له في الإفتاء، وولي بعده تدريس العادلية الصغيرة، وكان ينوّه بذكره، وينبه على شكره، ويصف تقدّمه في العلم والفهم، ويصفه بإفراط الذكاء، وكان إذا أتته الفتوى بحضوره ألقاها إليه، وقال: ما تقول فيها؟. وكذلك كان يفعل بابن جملة إلا أنه كان يرجحه في الفهم على ابن جملة، ولما ولي القزويني القضاء بالشام استنابهما في الحكم برأي ابن الزملكاني.
ثم زهد فخر الدين في القضاء، وتركه، وعيّن للقضاء بطرابلس، فأبى واستقال. وقال: لا ألي القضاء أبدا.
ثم درّس بمدارس أخرى، منها: المدرسة الرواحية، حين طلب الشيخ شمس الدين الأصفهاني إلى حضرة السلطان بمصر، لاجتماع شروطها فيه دون غيره، وحجّ مرات، وجاور بمكة والمدينة.
وهو اليوم بدمشق لإشغال أبنائها، وقصد إفتائها، جلس مكان شيخه ابن الفركاح.
واجتمعت عليه الطلبة، وتصدى للإشغال والاشتغال، وتقرير المباحث، وإجابة السؤال، هذا إلى غنى ويسار، وبرّ وإيثار، وملازمة جماعات لا يقطعها، وجاري عادات لا يمنعها، محافظا على عيادة المرضى، وتشييع الجنائز، ومجالسة الفقراء، والتغليس إلى المساجد، مع رياضة أخلاق، ولين جانب، وتفرّد في أهل بلده بسيادة أهل المذهب.
وقد حكى لي من أثق به أنه كان القيّم [ ...... ](١) في مدة عقلته، وطول عطلته، وقد رزق من الولد من أنجب، وأعجز ابتداؤه وأعجب.
(١) ما بين المعقوفتين بياض تركه المؤلف مقدار خمس كلمات من الأصل المخطوط.